في مقابلة تلفزيونية على برنامج حواري مسائي، قال الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون إن ما يجري في شوارع نيويورك من احتجاجات على تجار المال والوسطاء يشبه في بعض جوانبه ما جرى في شوارع تونس والقاهرة وصنعاء وحمص، ولكنه لم يتأثر بها.
وهذا في الواقع يعكس كبرياء وعدم اعتراف للآخرين. وعجبت من رئيس أميركي متفهم لما يجري في العالم، ويزور الوطن العربي باستمرار، يجد صعوبة حتى بالاعتراف بأثر ما يجري في الشوراع العربية على تطورات مشابهة ليس في نيويورك وحدها، ولكن في أكثر من ألف مدينة حول العالم.
إذا تمعنّا في تطورات ما يجري، سنرى أن الشعب الأميركي، وبخاصة الشباب منهم، يشعرون بالخوف وعدم الاطمئنان الى مستقبلهم. فبعد انهيار العام (2008)، وذوبان كرة الثلج الوهمية من الأموال غير الحقيقية، فَقَدَ الناس الذين كدَّوا وتعبوا لبناء مدخراتهم، وشراء منازل تؤويهم، ثقتهم بأمور كثيرة كانوا ينظرون إليها على أنها مُسَلَّمات واضحة يرقى إيمانهم بها الى حد اليقين.
فالحكومة والكونغرس يتخاصمان عند إعداد كل موازنة بشكل يهدد بتعطيل أعمال الحكومة، وشل حركة الاقتصاد. وهاتان المؤسستان تقفان عاجزتين عن إنهاء حروب دامية دفع الأميركي التريليونات من الدولارات لشراء أمنه منها، ولكن الجيش لم يستطع حسمها، فبقيت المشكلات، وتعثر الاقتصاد الأقوى في العالم.
وفشل الرئيس أوباما في مساعيه لإنقاذ الذين انتخبوه ثِقَةً بِقدرته على التغيير، وفي حماسِهِ لإنصاف أصحاب الدخول المتدنية، والفقراء، والعاطلين عن العمل، والمحرومين من العلاج والتأمين الصحي، والباحثين عن لقمة عيش. وكرس مئات البلايين من الدولارات لإنقاذ مؤسسات مالية كانت هي نفسها السبب في المشكلة أصلاً. 
وبفضل التشبيك الاجتماعي، وسرعة التواصل بين الشباب، صارت الاحتجاجات على الظلم الاقتصادي والثقافي والسياسي والاجتماعي ليست حكراً على العرب وحدهم، بل امتدت لتطال أغنى اقتصادات العالم. إن العالم كله مقبل على فترة احتجاجات على الأوضاع التي تدهورت. ولربما نلحظ تحولات كبرى.
وأول هذه التحولات هو تراجع الدولار كعملة دولية وحيدة، ولا شك أن العالم يستطيع أن يتحمل وجود ثلاث عملات رئيسية. ولم يعد الاقتصاد الأميركي قادراً على تحمل أعباء طباعة دولار بلا حدود، والدفاع عنه بكفاءة ليحقق التوازن في الاقتصاد الدولي. وبالمقابل فإن أوروبا، والتحالف الصيني الروسي المحتمل، أو ربما التحالف الصيني الروسي الياباني، قد لا يقبلان ببقاء اقتصادات دولهما رهينة أمزجة السياسة الاقتصادية الأميركية.
والتحول الثاني هو أن صندوق النقد والمؤسسات الدولية الأخرى سوف تشهد تحولاً في موازين القوى داخلها، وانحيازاً واضحاً في فلسفتهما وسياساتهما للأبعاد الإنسانية وللإنتاج والتعليم والصحة على حساب الجانب المالي والنقدي في العالم. وسيتبع ذلك إعادة ترتيب التوازن الدولي لصالح الدول الغنية بالموارد والقادرة على الإنتاج المنافس.
بعد الحرب العالمية الثانية، كانت أميركا القوة الرئيسية، وبلغ عدد سكان العالم حينها أقل من (3) بلايين نسمة. أما وقد أصبح العالم الآن سبعة بلايين نسمة، منهم (1,9) بليون مسلم، و(1,6) بليون صيني، و(1,2) بليون هندي، فإن التوازن الجديد مع انتصار الشباب لم يعد محصوراً في قارة أو دولة..
نحن على أبواب عالم شجاع جديد..

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة   جواد العناني  جريدة الغد