بدعوة كريمة من منتدى سحاب الثقافي، شاركتُ الحضور يوم السبت الماضي الحديث عن موضوع الأعباء الاقتصادية للربيع العربي، وقد دار حوار جيد مع الحضور من شباب وشابات، وسُعدت شخصياً بذلك اللقاء.
إن للربيع العربي أبعاداً اقتصادية لا تُخطئها العين، ولا يغمضها القلب. فالبوعزيزي الذي أشعل في نفسه النار فأضاءت في أركان الوطن العربي، لم يَثُر احتجاجاً على كرامته وحقه الأساسي في الحياة فحسب، ولكن استنكاراً للمنظومة المؤسسية التي عجزت عن توفير فرصة عمل له في السوق المنظمة، فبحث عنها خارج ذلك، فطاردوه وأهانوه.
قد لا يعلم الكثيرون أن جزءاً كبيراً من اقتصادات الوطن العربي، كما هي حال اقتصادات العالم حالياً، مكون من طبقتين؛ طبقة علوية خاضعة للقوانين والأنظمة، وتتلقى الخدمات العامة، وتدفع رسوماً وضرائب. وهنالك اقتصاد آخر موازٍ ولكنه غير رسمي. وهذا لا يعني أنه غير مشروع، ولكنه غير مرخص، كأن تبني دكاناً أو متجراً بدون رخصة، أو تسكن في مكان بدون ترخيص من بلدية أو تصميم موافق عليه من النقابة، أو تبيع على بسطة، أو تبيع من بيتك، وغيرها.
وهنالك اقتصاد أسود تحت الأرض، وهو غير مرخص ولا مشروع، مثل تجارة المخدرات، والأعضاء، والأطفال، والنساء، وتبييض الأموال، والتهريب، والسرقة، والتزوير، والابتزاز، وغيرها. وهذه الاقتصادات يصعب حساب قيمتها.
وإذا أردت أن تعرف ما الذي يجري في بلادنا، فهنالك تقديرات تقول إن حجم الاقتصاد غير الرسمي بشقيه المشروع وغير المشروع، قد يساوي أو يزيد أحياناً في قيمته على الاقتصاد الرسمي. وكلما كانت المؤسسات العامة ضعيفة وعاجزة عن تلبية حاجات الناس، كبر الاقتصاد غير الرسمي.
ولقد شاهدنا في الوطن العربي خلال السنوات 2004-2008 معدلات نمو سنوية مرتفعة نسبياً، بسبب ارتفاع أسعار النفط، وثورة العقار والأسهم، وسهولة الحصول على المال، وبسبب التسيب في المشتقات المالية والإقراض. ونتج عن ذلك كله أن النمو المُفتعل هذا والقائم في معظمه على تبادل الأصول وليس زيادتها وإنماءها أن انفجرت بالونته، وتبين أن جزءاً كبيراً منه كان سرابا.
ولهذا حقق هذا النمط من النمو غنى غير مبرر لبعض الناس، في الوقت الذي لم يخلق فيه داخل السوق الفعلية (سوق السلع والخدمات) إنتاجاً إضافياً ولا كوّن في سوق العمل فرصاً فعلية. ولذلك لم تتحسن معدلات التوظيف، ولم تتراجع نسب الفقر.
ولما انفجر البالون أو الفقاعة، وانكشف ما تحته، وجدت معظم اقتصادات الوطن العربي نفسها تئن من أزمة التراجع في قيمة الاستثمارات، وهبوط أسواق البورصة والعقار، وانكشاف حسابات البنك، وارتفاع نسب المديونية في القطاعين العام والخاص. ووجدت الحكومات نفسها تئن تحت وطأة المديونية، والعجز في القطاعين العام والخاص.
وهُنا بدأت الحكومات في مطالبة شعوبها بالمشاركة في تحمل مسؤولية ما جرى. ووجد الذين حرموا من فوائد الانتعاش أنهم مطالبون بتحمل بعض مغارم الانتكاسة الاقتصادية والمديونية. فشعروا أن توزيع الغُرم وتوزيع الغُنم لم يكونا في صالحهم، فكان للناس أن يثوروا، ويطلبوا تسوية الأمور لا بالقرارات الاقتصادية فحسب، ولكن بالإصلاح السياسي. ولما لم يجدوا استجابة كافية، طالب بعضهم بتغيير الأنظمة التي لم تنصفهم.
نحن في الأردن نريد الإصلاح، ونطالب به، والحكم يستجيب ويسعى ويجتهد. والمطلوب أن نستمر على هذا النحو بدون انقطاع أو تأجيل حتى لا يفهم أن النية في الإصلاح غير مستقرة.
أنا متفائل أن الأردن سيخرج من هذه الأزمة. ونأمل أن يكون ذلك في المدى المنظور.
أشكر شباب سحاب، وأتمنى لمنتداهم الثقافي كل التوفيق.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جواد العناني جريدة الغد