الفساد ثقافة. ودحره مسيرة، تبدأ بإرادة سياسية، تُشَرّع لتجريمه، وتبني مؤسسات فاعلة قادرة على محاربته، وتضمن آليات مراقبة ومساءلة شفافة ومفعّلة. والفساد تحاربه المؤسسات لا الاشخاص. واخطر انواعه ذلك الذي يُدمّر مؤسسات الدولة، يُهمشها او يضعفها. ففي إِضعاف المؤسسات حرمان للدولة من اقوى أدوات حمايتها وتحصينها عن التغول أو السرقة او الاستغلال.
رسالة جلالة الملك الى رئيس الوزراء أول من أمس تعكس ارادة سياسية لمحاربة الفساد، وتوفر ادوات مؤسسية لترجمة الارادة الى فعل ملموس. مسؤولية الحكومة ان تجسد الارادة في عمل مؤسسي يملك شروط إحداث فعل مؤثر في جهود محاربة الفساد، ثقافة وممارسة.
وثمة ضرورة لتنبيه الحكومة الى خطر ان تقتل البيروقراطية روح مبادرة الملك، إما تلكؤاً في انشاء المؤسسة أو تمييعاً لصلاحياتها.
فالاصلاح خطوات حقيقية، ليس من خلال نتائجه الآنية، لكن من خلال تكريس منهجيات عمل تجذر ثقافة المسؤولية والمساءلة. ومساحة الانجاز في هذا المجال واسعة، لكنها مليئة بصعوبات لا يمكن تجاوزها دون استعداد لدفع كلفة سياسية وتحمل تبعات قرارات غير شعبية.
لكن الفساد تهمة كبيرة لا يجوز اطلاقها جزافاً. وعلى الحكومة ان تحمي المجتمع، افراداً ومؤسسات، من القدح والذم. ومرة أخرى، هذا لا يكون الا بتشريعات واضحة توفر آليات ردع لممارسات لا اخلاقية ولا مهنية مارسها، ويمارسها، البعض خدمة لمآرب سياسية او تجارية او مالية.
اكثر انواع الفساد صعوبة هو الفساد الثقافي الذي أدى الى قبول اجتماعي لسلوكيات مغلوطة. وفي هذا السياق تأتي الواسطة والمحسوبية اللتان تشكلان فساداً ادارياً يضعف الاداء العام ويحرم كفاءات فرصة المنافسة العادلة على وظيفة او مشروع او مقعد جامعي.
وتلك ممارسات لا تنتهي بقرار. لكن الطريق الى انهائها لا تبدأ الا بقرار سياسي يعبر عن نفسه تحديثاً وتفعيلاً لآليات المساءلة والرقابة، وقبل ذلك، آليات التوظيف والانتقاء والتنافس في مؤسسات الدولة كافة.
احد أكبر الأوباء الادارية التي اعاقت تطور اداء الدولة هو غياب انظمة تقويم ادارية فاعلة، يتم من خلالها اتخاذ قرارات التوظيف والترفيع والطرد. وهذا الغياب هو الذي فتح الباب امام الواسطة والمحسوبية. ولن تنجح الحكومة في مكافحة الفساد الا اذا خطت خطوات جريئة لتحقيق الاصلاح الاداري.
FacebookTwitterطباعةZoom INZoom OUTحفظComment
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة ايمن الصفدي جريدة الغد