حسم قرار الحكومة بدء برنامج انهاء دعم المحروقات امس جدلاً سياسياً، لا سياساتياً، حول استحقاق اقتصادي لا يملك الاردن خيار تحاشيه.
رفعت الحكومة اسعار المحروقات لان سعر برميل النفط ارتفع بدرجات قياسية، ولان الهبات النفطية توقفت، ولأن عدم اتخاذ هذا القرار كان سيدفع الاقتصاد الوطني باتجاه الانهيار.
قد يجد العديد اغراءً في ركوب موجة الغضب الشعبي المتوقعة، ردة فعل على القرار. فأكثرية المواطنين تعيش ضائقة مالية صعبة. ونسب النمو الكبير التي حققها الاقتصاد لم تنعكس على اصحاب الدخل المحدود لأسباب بعضها نتاج طبيعي لقوانين الاقتصاد، والبعض الاخر سببه اختلالات هيكلية في البنية الاقتصادية لناحية توزيع الثروة الوطنية لم تتخذ خطوات عملية لمعالجتها بعد. لكن التعامل مع موضوع رفع الاسعار على اسس "شعبوية" تنشد تحقيق مكتسبات سياسية آنية سيكون استغلالاً غير مبرر لظرف وطني صعب.
الاقتصاد ارقام. والحكومة استخدمت هذه الارقام سبيلاً لتبرير قرارها. وكان رئيس الوزراء ووزراؤه المعنيون صريحين مع الناس حين بينوا ان ما أجبرهم على مُر اتخاذ قرار رفع الدعم عن المحروقات هو ان نتائج عدم اتخاذ القرار كانت ستكون اكثر مرارة. فالعجز المالي الناجم عن استمرار دعم المحروقات في ضوء الارتفاع المتزايد لأسعار النفط عالمياً كان سيؤدي الى تدهور الاقتصاد الوطني.
معارضو القرار لم يقدّموا ارقاماً وحقائق تُدَعم محاججاتهم ان هنالك بدائل للبدء بتحرير اسعار مشتقات النفط. لكن الشعارات كانت قوية، عديدة، ومؤثرة، وقادرة على التحشيد ضد القرار.
يحق طبعاً، للساسة، في الحكومة او المعارضة، الافادة من الجو العام في بناء قواعدهم الشعبية وزيادة قبولهم لدى الناخبين. غير أن الفرق بين المعارضة، برامج وبدائل، وبين الرفض، تمترساً و"عنزة لو طارت" شاسع. وهناك قواعد لا يجوز ان تخرج اللعبة السياسية عنها، خصوصاً فيما يتعلق بمصلحة البلد وضروراته.
لا تملك الحكومة خياراً لرفع اسعار النفط. بيد انها تملك خيارات عدة لتحسين ادائها والمؤسسات التابعة لها. وتملك الحكومة ايضاً ادوات تحقيق العدالة بين المواطنين. ومن الممكن ان يتقبل المواطنون قرار رفع اسعار المحروقات شراً لا بُدّ منه. غير انهم لن يقبلوا استمرار ممارسات تُغيّب العدالة في فرص التعليم والتوظيف وصنع القرار والافادة من الانجاز الاقتصادي.
وفوق ذلك، على الحكومة ان تقدم انموذجاً. فكثيراً ما سمع الناس عن اجراءات حكومية لتخفيف الانفاق وتحمل عبء الاوضاع الاقتصادية الصعبة. لكنهم لم يروا فعلاً مقنعا. وما زال الانطباع العام ان الحكومة تثقل كاهل المواطن بالضرائب ورفع الاسعار لكنها تتصرف وكأن لا سقف لانفاقها فيما يتعلق بمكتسبات اعضائها.
قرار رفع اسعار المحروقات كان حتمية فرضتها ظروف موضوعية لم تستطع الحكومة تجاهلها. ذات الظروف تفرض اجراءات فاعلة لتحسين اداء الدولة ومحاربة الانفاق غير المبرر واقناع الناس بأن الاصلاح يترجم خطوات عملية فاعلة. هذا ايضاً حتمية لا تستطيع اي حكومة تجاهلها.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة ايمن الصفدي جريدة الغد