قدّمت الحكومة أمس مرافعة متماسكة حول حتمية خفض الدعم عن المحروقات في ضوء الضغوط المالية التي سببها الارتفاع العالمي لأسعار النفط. لكن حديثها، في ذات الوقت، شكّل إدانة ضمنية لممارسات وقرارات اقتصادية فاقمت من حجم المشكلة الاقتصادية التي تواجه البلد الآن جراء ترحيل مشكلات كان يجب مواجهتها سابقا وتلاعب بحقائق أدى إلى تصوير الوضع على غير حاله.
من الصعب عدم تقبّل التبريرات التي ساقتها الحكومة لتسريع وتيرة برنامجها رفع الدعم عن المحروقات. فكلما ارتفع سعر برميل النفط دولارا، ارتفع حجم الدعم المطلوب بقيمة 26 مليون دينار. والنتيجة ان حجم عجز الموازنة سيصل الى نسبة تفوق 8% إذا ما استمرت نسبة الدعم الحالية. وهذا سيعني أضرارا اقتصادية لا يستطيع البلد تحملها. فبات رفع أسعار المحروقات مع هذه الحقائق شرا لا بدّ منه.
بيد أن الحقائق التي أعلنها رئيس الوزراء وعدد من وزرائه خلال لقائه الصحافيين أمس كشفت اختلالات من الصعب قبولها او السكوت عنها أيضاً. وهذه أخطاء يدفع الاردنيون ثمنها الآن وتتحمل مسؤوليتها الحكومات المتعاقبة.
وأول هذه الأوضاع التي يصعب تبريرها التضخيم لأرقام الدعم الخارجي في موازنة 2005. فمن أجل الحفاظ على نسبة عجز لا تتجاوز 3.3%، تضمنت الموازنة أرقاما عن مساعدات خارجية خيالية لا مصدر لها ولا هدف سوى تحقيق معادلات رقمية غير ذي جدوى.
أما الخلل الثاني الذي كلّف خزينة الدولة مئات الملايين على مدى السنين، فهو حجم التهرّب الضريبي. فحسب أرقام عرضها رئيس الوزراء ووزيرة التخطيط امس، لا تتجاوز نسبة الضرائب التي تجبيها الدولة سنويا 3% من الناتج المحلي الإجمالي (حوالي 220 مليون دينار)، في حين تتراوح النسبة بين 7 - 8% في دول الشرق الاوسط وشمال افريقيا و10 - 15% في الدول الصناعية. هذا يعني ان الدولة تخسر موارد مالية تعادل 4 - 5% من الناتج المحلي الإجمالي المقدر لعام 2005 بـ 8.2 بليون دينار، اي ما قيمته 350 الى 430 مليون دينار.
لا تتحمل الحكومة الحالية بالطبع تبعات هذا الخلل. فعدم وضع اجراءات فاعلة لتحصيل الضريبة خطأ تحمل وزره الحكومات المتعاقبة. لكن مسؤولية الحكومة الحالية هي تصحيح هذا الوضع.
السؤال المطروح، في ضوء هذه الحقائق، هو أين كانت الفرق الاقتصادية التي ما انفكت منذ سنوات تعد بإصلاحات اقتصادية تنعكس على الواقع حياةً أفضل وفرصا أكبر ودخلاً أكثر للمواطنين؟
والاختلالات أعلاه هي بعض من ممارسات اقتصادية أخرى تدين الحكومة للمواطنين بتقديم تفسيرٍ مقنع لها، مثل الفائدة المضافة للاردن من بعض الاستثمارات، والحسابات المضللة أحياناً لهذه الأرقام في الموازنات.
لا يملك الاردنيون سوى تقبّل استحقاقات ارتفاع أسعار النفط. لكن لهم أيضا حق معرفة المسؤولين عن إيصالهم إلى هكذا حال.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة ايمن الصفدي جريدة الغد