سيتكرس يوم أمس الاربعاء، التاسع عشر من تشرين الأول/ اكتوبر 2005، موعدا عصياً على النسيان في الوعي الجمعي العربي. فلأول مرة في التاريخ العربي الحديث، وربما القديم، يجلس رأس دولة عربية سابق في قفص الاتهام.
ذلك وحده كفيل بأن يفسر هوس الشارع العربي بمجريات المحاكمة وظروفها وتداعياتها. لكن ذلك ليس السبب الوحيد. فالذي يحاكَم هو صدّام حسين، الذي يمثل بالنسبة لملايين العرب عنوان الرفض العربي للهيمنة الاميركية على المنطقة، رغم دموية تاريخه ولا إنسانية حكمه.
ذلك الموقف المتحدي لأميركا هو أحد أهم أسباب التعاطف الذي حظي به صدام حسين حين كان يعدم الناس دون محاكمة، والذي يحظى به الآن وهو يجلس في قفص الاتهام. فتعاطف العرب هو مع الموقف الرافض لاميركا وسياساتها اكثر مما هو مع صدام.
وتتحمّل الولايات المتحدة بشكل كبير مسؤولية عدم تراجع شعبية صدام حسين بعد سنتين ونصف على إسقاط نظامه. فحال العراق الآن بعد أن دخلته دبابات واشنطن حاملة وعد الحرية والتغيير تعزز مشاعر التشكيك والرفض التي استقبل بها العرب الحرب الاميركية على العراق.
يسمع العرب الآن عن جرائم صدام ومقابره الجماعية. لكنهم يشاهدون أيضا العراق وهو يغرق في دوامة العنف والارهاب ويواجه خطر الحرب الأهلية والتقسيم. ووقع حاضر يرونه أقوى في نفوسهم من وقع تاريخ يسمعون عنه.
فقد أنقذت الولايات المتحدة العراق من دكتاتورية صدام. لكنها أدخلته في فوضى أمنية وسياسية ذهب ضحيتها عشرات الآلاف من العراقيين. يرى العرب ذلك. ويرون في اميركا عدواً، وفي صدام رمزاً لتحديها ومواجهة غطرستها، فيتعاطفون مع صدام.
ذلك بالطبع لا ينطبق على العراقيين الذين عاشوا بطش صدام وظلمه وقهره فحق لهم ان يكرهوه. لكن العراقيين يستحقون اكثر من مجرد محاكمة صدام ونظامه. هم يستحقون حياة أفضل من تلك التي عاشوا في ظل حكمه. وهذا ما عجزت أميركا عن أن تقدمه لهم في حقبة ما بعد صدام.
صدام حسين، رغم ما يحيط محاكمته من متابعة واهتمام، أصبح جزءاً من ماضٍ مقيت. لكن العراق وشعبه باقيان، ومازالا يعانيان في حاضر فشلت اميركا، التي تتحمل مسؤولية قانونية واخلاقية لمساعدة العراقيين، حتى الآن في جعله سبباً للتفاؤل بمستقبل عراقي أفضل.
محاكمة صدام حسين هي محاكمة لزمن عربي لم تصل رداءته حد السماح لمثل صدام حسين ان يحكم ويقتل ويبطش فحسب، بل وصلت حد العجز عن ردعه، ما فتح الطريق للجيوش الأميركية لتأتي الى المنطقة سيداً يتحكم بالراهن والمستقبل العربي في آن.
سيستمر الملايين من العرب يتعاطفون مع كل من يعادي الولايات المتحدة ما لم تغير سياساتها في المنطقة. وسيستمر الكثيرون من امثال صدام حسين يبنون شعبية وقبولاً من خلال اعلان مواقف معادية للولايات المتحدة. تلك حقيقة يجب ان يعيها كل من يريد أن يفهم، او يحلل، الشارع العربي، وتعاطفه مع صدام.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة ايمن الصفدي جريدة الغد