في ازدحام الأحداث وتداخلها، يسعى المواطن المتابع القلق إلى أن يرسم لنفسه صورة للأوضاع من بين الخطوط المتشابكة المتداخلة كنسيج العنكبوت على بوابة كهف قديم. وينجح البعض في تحديد صورة ما. وعندما يراها، يسرّ من نفسه، ويعتقد أنه توصل إلى الحقيقة التي لا مراء فيها.
بعد ذلك، جرّب إقناعه بأن الصورة التي رسمها ليست هي الحقيقة، وقل له إن ما رسمته ليس أكثر من صورة من مئات الصور التي قد تُرسم، وإن بعض هذه الصور الأخرى قد تكون أقرب إلى الواقع من تلك التي رسمتها؛ فماذا ستكون نتيجة هذه التجربة؟ الأرجح أن صاحب الصورة سوف يرفض رأيك.
هذه الحالة شرحها لنا منذ آلاف السنين أفلاطون في "حكاية الكهف". فالناس داخل الكهف يعتقدون جازمين أن ظلهم الذي يرونه على الحائط هو من صنع الشموع التي أوقدوها داخل الكهف. ولكن أحدهم يتساءل: إذا كنا نحن ثابتين، والشموع ثابتة، فلماذا يتغير حجم ظلنا على الحائط؟ ويمشي إلى مكان خارج الكهف، فيرى شمساً تشرق وتغرب، وتدخل النور على كهفهم بمقادير وزوايا مختلفة. فيعود إلى قومه ليقول لهم: إن ما نراه من ظل لنا داخل الكهف ليس من صنع هذه الشموع الصغيرة، بل من مصدر للنور أكبر، هو الشمس. لكن القاطنين في الكهف لا يؤمنون.
ويثير الناس أسئلة كثيرة في الأردن. وعندما يصلون إلى قناعة سهلة، فإنهم يعيدون قولبة الحقائق حتى تتماشى مع نتائجهم المسبقة، ولا يقبلون تغيير نتائجهم وفق الحقائق الجديدة. إنهم من أصحاب القوالب؛ كل حقيقة جديدة تعاد صياغتها بالإضافة أو القصّ، حتى تدخل في القالب.
وفي هذا السلوك ما يعيق مسيرة الإصلاح، ويدفع بعجلة الاقتصاد إلى التوقف. فالبعض يقول إن مسيرة الإصلاح في الأردن غير جادة، وليس المقصود منها إلا تعطيل تلك المسيرة. فنقول له: وماذا عن كل ما يجري من محاولات؛ من خلال تعديل القوانين وتقديم الجديد منها، أو وضع آليات ومؤسسات دستورية جديدة، أو ترك مجلس النواب ليرشح رئيس الوزراء والوزراء؟ فيقولون لك: ما هذه كلها إلا مساعٍ ظاهرية.
ليس عيب النظام أن الناس والرعية لا يستثمرون الفرص إلى أقصى حد ممكن، حتى ينالوا فرصاً أفضل جديدة؛ بل إن النظام يُشكر على أنه أخذ القرار وحتى المجازفة. وليس من خطأ النظام أن النواب لم يقدّموا مرشحين لرئاسة الوزراء إلا بعد فترة، بل إن بعضهم رفض ذلك بحجة ترك القرار إلى من تبرع بإعطائه لهم رغم أنه حق من حقوقهم الدستورية.
وفي موضوع المسجد الأقصى ورعاية الأماكن المقدسة في القدس الشريف، ترى الناس يشككون بأن هذا بداية الوطن البديل. ولا أدري من أين يخترع هؤلاء المحترمون كل تلك النتائج، علماً أن تلك الأماكن المقدسة ما كانت ضمن الظروف والمعطيات والترتيبات الحالية، إلا أن تكون تحت الرعاية الهاشمية. لقد كانت هنالك حاجة إلى إعادة تأكيد هذا الأمر، وهو القرار الصحيح. فهل يستوي القول إن العودة للحق هي عودة للباطل؟! وكيف يجتمع الشيء ونقيضه في آن واحد؟!
وإذا تجرأت الآن وقلت للناس إن معدل النمو الاقتصادي في الأردن هذا العام لن يقل عن 4 %، وإنه يمكن أن يصل إلى 5 %، فسترى كثيرين سيقوّسون حواجبهم عجباً واستنكاراً؛ كيف والاقتصاد على ما هو عليه؟ فتقول لهم إن الأرصدة الأجنبية في ازدياد، والطلب على العقار ينمو، والمساعدات والبرامج الإنمائية والمشروعات قد بدأت، وإن أزمة السيولة في طريقها للحل، وإن سوق عمان المالي في تحسن من حيث حجم التداول والأسعار، وإن السياحة والاستثمارات الخارجية وحوالات الأردنيين في ارتفاع، وإن مشكلة الطاقة سوف تفرج، وإن أسعار المواد الغذائية المستوردة في هبوط. لكنهم سيقولون لك: هذا لن يجدي!
العقدة ليست في الأسئلة الحائرة وحسب، ولكن في الأجوبة المسبقة عن هذه الأسئلة، وكأنها قدر ثابت في عالم يتغير بسرعة جنونية.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جواد العناني حنان كامل الشيخ