الفائدة التي تجنى من الزيارات الميدانية كبيرة، والجلوس إلى الناس من أبناء الشعب الأردني الواحد، والحديث معهم وجهاً لوجه يعود على الإنسان الراغب في التأكد مما يعرف ولا يعرف بالنفع الجزيل. 
ذهبت إلى هنالك وأنا تحت الانطباع أن الناس يعانون من ثقافة العيب، خاصة أن  لواء القطرانة هو لواء البادية الوحيد في محافظة الكرك. فوجدت أن وجوه العشائر هنالك يؤكدون أنهم لا يريدون وظيفة سائق أو حارس، بل يريدون عملاً منتجاً.
وكذلك كنت واقعاً في خطأ الظن أن الناس هنالك راغبون في التعبير العنيف، وأنهم يغلقون الطريق الصحراوي أمام حركة المرور تعبيراً عن عدم رضاهم لإهمال الحكومة لهم، ولكنني وجدت أن الناس يظنون أن الدوائر الرسمية تعطيهم وعوداً لا تفي بها، وهذا يفسر حنقهم.
طيلة ثلاث ساعات وأكثر من النقاش لم أسمع من أي واحد من الحضور من طلب منحة، أو مساعدة، أو منفعة شخصية، بل إن كل القضايا التي أثاروها كانت لمنفعة المجتمع. فأحدهم طالب بإقامة مشروع سياحي في موقع قلعة القطرانة، وآخر قال إنه يرأس جمعية تعاونية زراعية تعيل عدداً كبيراً من الأسر، وطالب الشركات بمساعدته في تصليح المعدات الزراعية، وبتقديم السماد، وطالب ثالث أن يخصص جزء من أموال صندوق الدعم الذي ستتبرع به الشركات العاملة هنالك للإنفاق على أبناء اللواء الذين يقبلون في الجامعات، وبخاصة من غير القادرين على نفقات الدّراسة. 
وكذلك فإنني حملت حين ذهبت إلى هنالك فكرة أنّ أهالي المنطقة والشركات لم يكونوا على وئام. وتاريخياً، وجدت أن هذا صحيح. فقد توقع الناس أن الشركات التي أنشئت هنالك ستكون عوناً لهم في توظيف أبنائهم، وزيادة زخم الحياة لديهم. ولكن اللواء واسع والشركات متناثرة، فهنالك منجم الفوسفات الأبيض، ومصنع البوتاس، ومصنع المناصير للخلطات الإسمنتية، ومزارع دجاج الشركة الوطنية، ومصنع إسمنت القطرانة، ومصنع السيليكا، وغيرها.
ومن الطبيعي أن يحدث صدام بين الأهالي والمصانع في البداية. ولكن حصافة المتصرف حسين الحديد سوّت تلك العلاقة، وخففت من غلواء الخلاف بين الطرفين. 
وقد علمنا في المجلس الاقتصادي والاجتماعي بهذا الأمر حينما كان الباحثون يقومون بدراسة ميدانية لتلك المنطقة، وحاجاتها، ومظالمها. ووجدنا أن نسبتي الفقر والبطالة في ذلك اللواء تتراوح كل منهما حوالي 30 % ، أو أكثر من ضعف المعدل الوطني. ومن هنا تبدأ جذور الإشكال. 
ولكن الخلاف الذي دبّ بين الجهتين كانت له آثار سلبية على اجتذاب مزيد من الاستثمارات لتلك المنطقة المتميزة. ولهذا ، كان لا بد من إيجاد الآليات المؤسسية القادرة على تسوية الخلاف، وزيادة التفاعل بين الصناعات هنالك والمجتمع الّذي توجد فيه. 
الناس يريدون من الشركات أن تنتصر لهم، وتحسن ظروف حياتهم. والشركات تريد أن ترى أن ما تقدمه يحقق الفوائد المرجوة، ولهذا، كان الحل في وضع ترتيبات مؤسسية. 
لقد اكتملت العناصر الداعمة لنجاح مشروع تنموي. فقد أجريت دراسة ميدانية تفهم المسؤولين الواقع الذي سيتعاملون معه. ووجد الحاكم الإداري القادر على تجميع الناس والتأليف بين قلوبهم. وحسنت نوايا الشركات وأهالي المنطقة فاتفقوا... والآن المطلوب إكمال المشوار بوضع اللمسات الأخيرة حتى يرى المشروع النور، ويصدق الناس أنهم يظهرون على شاشة المسؤولين ويقعون في دوائر اهتمامهم. 
الناس عندنا طيبون. ويجب أن نتخلى عند حكمنا على الأمور، سواء كنا مواطنين أو مسؤولين، عن الإنطباعات، أو الإشاعة، أو التخمين. واللقاء المباشر بين الناس يفتح للحوار باباً وللعقل شبابيك تتواصل وتتفاعل من خلالها. مشكلتنا في معظمها من صنعنا، وبعقولنا وقلوبنا وأيدينا نستطيع حلها.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة   جواد العناني  حنان كامل الشيخ