المشهد يكاد يكون ذاته. والزمن كأنه يعيد نفسه. فقد جلست سورية أمس، كما جلس العراق قبل سنوات، متهمة، أمام مجلس الأمن الدولي.
لكن الأمل هو أن لا تستمر الأحداث في التشابه. فلا مصلحة إلا لأعداء العرب في أن تعاني سورية ما عانى العراق. بيْد أن مسؤولية الحؤول دون تلك المعاناة تتحملها دمشق قبل غيرها.
ما كان مجلس الأمن لينعقد ليناقش التقرير الدولي حول جريمة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري لو لم ترد أميركا ذلك. ولن تضيّع الولايات المتحدة الفرصة المتاحة لتسييس ملف التحقيق بما يخدم أهدافها. كل ذلك صحيح.
لكنّ الصحيح ايضا هو أن سورية أوصلت نفسها الى المأزق الخطر الذي تعيشه. فدمشق اخطأت حين تحدت إرادة اكثرية اللبنانيين والعالم وأعادت تعيين إميل لحود رئيساً للبنان. وارتكب بعض أركان النظام وأدواته خطايا كبيرة حين حوّلوا لبنان الى مرتع خاص يصولون فيه ويجولون. وأخطأت سورية اكثر حين عجزت عن قراءة التحولات الدولية التي تفرض نهاية حقبة وما رافقها من ممارسات غير مقبولة داخلياً واقليمياً.
بيْد أن الوقت لم يفت بعد على إمكانية تفادي سورية أوقاتاً أصعب من تلك التي تواجه الآن. وذلك يتأتى من خلال تعاون حقيقي مع لجنة ميليس، ينتهي الى معاقبة كل من تثبت إدانته في الجريمة. قبل ذلك واثناءه، يحتاج النظام السوري الى بناء صدقية تعطي أقواله قدرة التأثير على مآلات الأمور. وذلك لن ينتج الا من خلال اصلاحات ديمقراطية تنهي حصانة بعض أركان النظام وأتباعه من الملاحقة القانونية، وتحقق التفاف الشعب السوري حول قيادته من خلال احترام إرادته وحقه في المشاركة في حياة سياسية تحتكم الى القانون ولا مكان فيها للخارجين عليه.
موقف سورية حرج. ولن تنفع الاتهامات الموجهة لأميركا، رغم صحة الكثير منها، في درء الخطر القادم الذي فتح قرار مجلس الأمن 1636 طريقه الى دمشق. ذلك سبيله حكمة سياسية تدرك عبثية العنجهية اللغوية وحتمية انتهاج الفعل المقنع القابل للتحقق والقياس مخرجاً من الأزمة.
كان وزير الخارجية السوري فاروق الشرع محقاً أمس حين أشار الى أن اميركا وحلفاءها يوظفون تقرير ميليس لتحقيق مآرب غير مرتبطة بجريمة اغتيال الحريري. ودقيقة كانت إشارته الى فشل المجلس في التعامل مع جرائم اسرائيل في قانا وجنين. فالمنطق منطق قوة. لكن هذا سبب آخر يوجب على سورية إدارة الأزمة بعقلانية خلت منها الكثير من سياساتها في لبنان، وفي الداخل السوري.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  ايمن الصفدي   جريدة الغد