ترى الطريق عند نقطة معينة قد ازدحمت واكتظ السير فيها تظن أنك لن تصل بيتك أو مقصدك قبل مرور وقت طويل. 

 

ولكنك ما إن تتجاوز تلك النقطة، تجد الطريق وقد صار سالكاً. هذا الاكتظاظ والازدحام في شوارعنا وطرقنا، هل يمكن أن يكون أخف وايسر بنفس العدد من السيارات؟ وما السبيل إلى ذلك؟!

 

اذهب إلى متنزهات البلد في السلط، أو الحدائق العامة في عمان، أو على البحر الميت او في العقبة، انظر بدقة إلى جوانب الطرق التي ابتليت بأشجار ظليلة بعد انتهاء حفلات الهش والنش تحتها... هل يمكن أن تكون أنظف، وأجمل، وبجهد أقل مما يبذل في تنظيفها في اليوم التالي؟! 

 

اسأل نفسك بأمانة حين تنتقد أسلوب التعيينات والواسطة والمحسوبية، هل تتردد في طلبها إن أتيحت لك الفرصة عندما يتعلق الأمر بشخص قريب لك أو عزيز عليك؟! وكيف تفسر هذا التناقض إلا بالقول "بدون واسطة هذه الأيام لا شيء يمشي ويسلك".

 

هل ذهبت إلى مسؤول كبير تطلب منه أن يدفع بمعاملة لك مخالفة للقانون أو النظام الساري، فقلت له بعد أن شرح لك عدم جواز تمريرها "يا زلمة لو انها ماشية كان جيتك؟"، هل أنت نفسك الذي تطلب من المسؤول أن يمرر معاملة غير قانونية في الوقت الذي تلعن فيه أولئك المسؤولين، الذين تعتقد أنهم يراعون البعض ويدفعون بمعاملتهم رغم عدم قانونيتها؟!".

 

هل نفكر في الآخرين، وفي المصلحة العامة، عندما نقف بسيارتنا في عرض الطريق؟ 
التفكير في الآخرين، وفي الصالح العام، هو الذي يجعلنا نقف بالدور، ويلزمنا بالوقوف في المسار الصحيح عند الإشارة الضوئية، وهو الذي يجعلنا نحترم الوطن الذي نتغنى به ليل نهار فلا نترك قمامتنا على جوانب الطرقات وفي المتنزهات والحدائق. 

 

هذه السلوكيات هي التي تنخر في اقتصادنا، وتضع عليه تكاليف وأعباء كبيرة. فليست كلفة تصديك للآخرين بسيارتك وتعطيلك للسير في الوقت الضائع، ولا البنزين المهدور، وإنما حرقة الأعصاب، وهبوط الإنتاجية، وتوتير العلاقات بين الناس. 

 

عدم الاهتمام بموجودات المجتمع وإتلافها له كلف مباشرة كبيرة وكلف غير مباشرة تصيب ثروة البلد، وإمكاناته، وحقوق الأجيال المقبلة...  نحن بحاجة في الأردن إلى عقد اجتماعي يربطنا ببعضنا بعضا، رجالاً ونساء، شيوخاً وأطفالاً، حاضرة وبادية، قرية ومدينة، حزب شمال وحزب يمين أو وسط... كل المجتمعات تتباين، وكلها تختلف فيما بين بعضها بعضا، ولكن لهم مرجعية عليا لا يتعالون عليها، ويطأطئون رؤوسهم احتراماً لها. إن ذلك هو القانون وسيادته. 

 

لقد صرنا نعتدي على القانون بسلوكنا الخارج عنه، ونعتدي على الأعراف بتصرفاتنا المنافية للتقاليد والسلوك القويم، ونتجاوز مصالح بعضنا بعضا، ونستهين بها مخالفين حقوق المواطنة والجيرة.  ماذا جرى لنا في السنوات الأخيرة؟! ما زلنا نحن نحن من نفس الطينة والجبلة. مشاكلنا كانت وما تزال هي هي، ونحن نعيش في ظل نظام يحترم دماءنا، وأرواحنا، وحياتنا، وخصوصياتنا. ولنا مآخذ وملاحظات وانتقادات، ولكن وازعها دائما الغيرة على الوطن.

 

لك الحق أن تغار من الآخرين، ولكن لا تحسدهم. لك الحق أن تتمنى أن يكون ابنك مثل ابن فلان، ولكن لا تكره ابنه بل أحب لابنك أن يكون مثله. ولك الحق أن تنتقد من يتجاوز الصف على حسابك، ولكن ذكره بالحسنى بدلاً من أن يتحول الأمر إلى مذبحة.

 

سحر الساحر الذي ابتلينا به، وأصابنا بالعين، نحن قادرون على قهره.. و"اتقوا فتنة لا تصيبنّ الذين ظلموا منكم خاصة".

 

بقلم: جواد العناني.​


المراجع

alghad.com

التصانيف

صحافة   جواد العناني  حنان كامل الشيخ   الآداب