لا يمكن فهم الفتوى التي اصدرها اتحاد الجمعيات الاسلامية في فرنسا بتحريم المشاركة في اعمال الشغب التي عمت ضواحي باريس إلا على أنها انعكاس لعقلية دفاعية تعبر عن شعور الاستهداف الذي يعيشه المسلمون في اوروبا.
فالفتوى خطأ لا مبرر له. ولن تسهم الا في تكريس تفكير نمطي يضع الاسلام في موقع العدو للمجتمعات الغربية. فقد اقحمت الفتوى الدين في مشكلة أسبابها اقتصادية وثقافية وغير مرتبطة بالتدين على المستويين الروحاني والسياسي في آن.
فالشبان الذين أشعلوا شوارع ضواحي باريس وغيرها من المدن لم ينطلقوا من عقائدية دينية ولم يسعوا الى تحقيق أهداف مرتبطة بالدين. هؤلاء مشكلتهم أساسها العزلة الاقتصادية والثقافية في فرنسا التي اختاروها وطنا لهم، ولكن فشلوا في الانخراط فيها، فأصبحت احياؤهم جزراً معزولة سِمتها الفقر والبطالة والغربة والاحباط.
كان ضروريا أن تتحمل القيادات الدينية والمدنية للمجتمعات المهاجرة مسؤوليتها في العمل على وقف أعمال العنف التي بدأت في ضواحي باريس وامتدت عبر فرنسا ووصلت دولاً اوروبية اخرى. لكن أدوات العمل على اعادة الهدوء الى باريس كان يجب ان ترتكز الى خطاب يحاكي المشكلة وأسبابها ولا يماهي أزمة الخوف التي تعانيها المجتمعات المسلمة، فتضع نفسها في ساحة الاتهام الفوري من خلال اصدار فتوى وكأن الحرب الدائرة بين الشرطة والشباب المهاجر في فرنسا هي صراع ديني.
لا اختلاف مع السلطات الفرنسية في اعتبارها وقف اعمال العنف أولوية لا مساومة حولها في المرحلة الآنية. ولا بد أن تلتقي الهيئات الممثلة لهذه المجتمعات مع السلطات الفرنسية في ذلك. فأعمال الشغب لن تخدم المجتمعات المهاجرة ولن تحل مشاكلها. وسيكون نتاجها الأكبر تجذير الفجوة التي تفصل المهاجرين عن المجتمع الفرنسي.
غير أن احداث باريس تعطي مؤشراً خطيراً على حدة الأزمة التي لا شك ستتفاقم ان لم يصر الى حلها جذرياً ضمن رؤى شاملة تسعى الى دمج المجتمعات المهاجرة, وليس صهرها, في المجتمعات الأوروبية. والواقع ان جيلاً كاملاً من الشباب الذي ولد في المجتمعات الغربية لا يزال يعيش حالة من العزلة والغربة خلقت لهم أزمة هوية يشكل حلها أساس الوصول الى التعايش المطلوب بينه وبين الدول التي هاجر اباؤه اليها.
لا يمكن التقليل من البعد الاقتصادي في أزمة المجتمعات المهاجرة في اوروبا. وأي حل لهذه الأزمة يجب ان يعالج هذا البعد، لناحية توفير فرص العمل ولجهة تمكين الشباب المهاجر ادوات المنافسة في المجتمعات الغربية. لكن الحل النهائي لا يمكن الا ان يكون ثقافياً، ينهي أزمة الهوية التي يعيشها هؤلاء ويحقق لهم الاندماج المطلوب في المجتمعات التي ولدوا فيها ابناءً لآباء فشلوا في تنمية شعور الانتماء لديهم، وابقوهم أسرى تجاذبات ثقافية وقيمية.
على الدولة في فرنسا وغيرها من دول أوروبا مسؤولية تحسين شروط حياة المجتمعات المهاجرة اليها. تلك ضرورة لاستقرارها. لكن هنالك مسؤولية كبيرة على هذه المجتمعات أيضاً في السعي الى تحقيق اندماج ايجابي مع المجتمعات الغربية يضمن الحد الأدنى المطلوب من الانتماء للدولة والتقبل للمنظومات القيمية التي تحكمها.
وبالطبع لا يعني الاندماج الانسلاخ عن الأصول الوطنية والدينية. لكنه يعني تحقيق حال من الانسجام والتعايش. وذلك شرط رئيس لنزع فتيل الأزمة الكامنة في مجتمعات المهاجرين في الغرب.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  ايمن الصفدي   جريدة الغد