قلل ناطق رسمي فرنسي من أهمية أحداث الشغب التي تشهدها ضواحي العاصمة الفرنسية باريس، متهما وسائل الإعلام العالمية بالمبالغة. ومن المحتمل ان تكون وسائل الإعلام بالغت فعلا في تقدير حجم الشغب الذي بدأ في إحدى ضواحي باريس قبل اكثر من اسبوع وامتد ليشمل مناطق اخرى في البلاد. لكن وسائل الإعلام لم تبالغ بحجم مشكلة العزلة والغربة التي يعيشها مئات الوف المهاجرين في فرنسا.
فتلك مشكلة كبيرة. وما الاحداث الحالية الا تعبير عن أزمة ما انفكت تتفاعل وتنمو في المجتمع الفرنسي.
الأزمة متشعبة. وأبعادها اجتماعية واقتصادية وثقافية. والسرعة التي انتشرت فيها أعمال الشغب عبر الدولة الفرنسية دليل على أن فتيل الأزمة موجود ولا يحتاج إلا الى شرارة لانفجاره.
تم إحراق حوالي 900 سيارة في فرنسا ليل الجمعة. وتفيد الانباء بأنه تم حرق 519 سيارة في عاصمة النور وحدها. شباب محبطون عاطلون عن العمل لجأوا الى العنف ليقولوا، والكلمات لصحافي فرنسي، "نحن موجودون، نريد من يهتم بنا". وحسب أحد ممثلي حركة الهجرة والضواحي في فرنسا، فإن الدولة غير موجودة في احياء المهاجرين الأفارقة والعرب. والمقصود بالدولة هنا هو مشاريع اقتصادية وفرص عمل ومدارس فاعلة وغيرها من الخدمات الاساسية التي تنهار المجتمعات من دونها.
فضواحي المهاجرين معزولة اقتصادياً وثقافياً عن المجتمع. معظم الشباب الذين شاركوا في اعمال الشغب هم من الجيل الثاني من المهاجرين. هؤلاء لم يندمجوا في المجتمع الفرنسي ولم يطوروا ادوات التعايش معه. ولا يمكن إلقاء اللوم على الدولة الفرنسية حصرياً للعزلة التي يعيشها المهاجرون في ظروف اقتصادية صعبة. فالمسؤولية تقع ايضاً على هذه المجتمعات التي ما تزال تعيش ازمة هوية حالت دونها ودون الانخراط في الوطن الذي اختارته.
لكن بغض النظر عن اسباب المشكلة فهي موجودة وابعادها خطيرة. فالواضح ان هذه الاحياء المعزولة حول باريس وباقي المدن الفرنسية تبقى بؤرا للتوتر العرقي والديني والثقافي والاقتصادي. يقول وزير الداخلية الفرنسي نيكولا ساركوزي إن المسؤولين عن اعمال الشغب "خارجون عن القانون". ويقول الصحافي في محطة "M6" التلفزيونية فرانسوا ديكرو انهم شباب محبطون لا مستقبل لهم. فهؤلاء، حسب ديكرو، فرنسيون على الورق فقط. والفجوة بينهم وبين بقية الفرنسيين شاسعة. وما معدل البطالة الذي يصل 20%، أي ضعف المعدل في فرنسا، الا مؤشرٌ على حجم هذه الفجوة.
مشكلة الضواحي الباريسية أكبر من اعمال شغب. هي أزمة مجتمع تنذر بإرهاصات أعنف ان لم تحل جذرياً. ولعل تزامن احداث فرنسا مع تدنيس مجهولين ثلاثين قبرا لمسلمين في مدينة بيرمنغهام البريطانية دليلٌ على ان معضلة المجتمعات المهاجرة في اوروبا مستمرة في أخذ ابعاد عنصرية ودينية.
ثمة حاجة لجهد مكثف لحل معضلة المجتمعات المهاجرة في فرنسا وبقية دول اوروبا. ومسؤولية الحل تقع على الحكومات وعلى مؤسسات المجتمع المدني الممثلة للمهاجرين.
طبيعي أن يكون وقف أعمال الشغب الحالية هو أولوية الحكومة الفرنسية. لكن تحاشي تكرار هذه الأعمال يستدعي حلاً جذرياً لأزمة الحاجة والغربة والانتماء التي تعيشها المجتمعات المهاجرة.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  ايمن الصفدي   جريدة الغد