في العام 2001، فاز الاقتصادي الأميركي جوزيف يوغين ستيغليتز، مع اثنين آخرين، بجائزة نوبل، تقديراً لأعمالهم ومساهماتهم في تطوير النظرية الاقتصادية؛ بتحليل "اللاتماثلية" في المعلومات داخل الأسواق. وفي هذا التطور تحدّ واضح لأحد الافتراضات الأساسية في علم الاقتصاد، وهي أن البائع والمشتري يملكان نفس القدر من المعلومات، بما يعزز فكرة التنافس الكامل في الاقتصاد الرأسمالي.
ولكن مساهمات ستيغليتز لم تقف عند هذا الحد. إذ أسهم الرجل أيضاً في الكتابة عن موضوعات كثيرة، مثل اللامساواة، كما وضحها كتابه المتميز الأخير "كلفة اللامساواة". وأثناء عمله في البنك الدولي، أعطى للدول النامية داخل أروقة المنظمات الدولية صوتاً ومرجعاً عندما انتقد العولمة. ولعل من أفضل ما ألّفه هو الكتاب الذي حمل عنوان "حرب الثلاثة تريليون دولار"، إشارة إلى كلفة الغزو الأميركي للعراق في العام 2003.
وقد استضفنا ستيغليتز في المجلس الاقتصادي والاجتماعي يوم الأحد الماضي، حيث تحدث عن الموازنة والنمو واللامساواة. وفي سعي الدول إلى ضبط الموازنة، حذر من مغبة الانغلاق على هذا الهدف، بدون ترك مساحة مالية للنمو. كما قال إن أسلوب تقديم الدعم للسلع والخدمات في الدول النامية يجنح كثيراً إلى تفضيل الأغنياء على الفقراء. فتقديم العون المفتوح للمياه والمشتقات النفطية والكهرباء، سوف يمكّن كبار المستهلكين من الاستفادة من هذا الدعم بأضعاف ما يستفيده الفقراء.
وأكد ستيغليتز أن الأسلوب الأفضل للدعم هو بيع هذه السلع بأسعارها الحقيقية التي تعكس كلفتها، وإعطاء الأسر التي تقع قرب خط الفقر أو أدنى منه معونات مالية أو بطاقات شراء بأسعار خاصة. وأكد ضرورة أن يكون تخفيف الدعم عن السلع منحازاً للفئات المتوسطة والفقيرة.
كذلك، حذر من التهرب والتجنب الضريبيين. وقارن في هذا الإطار بين شركة صناعية مثل "جنرال موتورز" توظف أكثر من نصف مليون عامل بأجور جيدة، وشركة "أبل" الإلكترونية. وقال إن "أبل" التي يتوفر لديها الآن أكثر من 130 مليار دولار فوائض نقدية، وهو مبلغ أكبر مما حققته أي شركة صناعية في تاريخ الولايات المتحدة، لا توظف سوى 49 ألف عامل؛ ثلاثون ألفا منهم بائعون، والتسعة عشر ألفاً الباقين يتقاضون أجوراً جيدة. وأكد أن شركة "أبل" لا تدفع سوى 3 % من دخلها ضرائب للحكومة الأميركية، لأنها استخدمت ذكاءها في التهرب الضريبي عن طريق عملياتها الخارجية.
ولذلك، فهو يرى أن للصناعة في الدول النامية دوراً كبيراً ومهماً. وعلى هذه الدول، ومنها الأردن، تبني سياسة صناعية واضحة، واستراتيجية متناسقة متكاملة. وحتى تكون الدولة الراغبة في تنمية الصناعات والإنتاج فيها قادرة على التصدير، فلا بد لها من تبني سياسات مالية ونقدية مرنة، محذراً من سياسات التثبيت الجامدة.
وقد دار مع ستيغليتز حديث شيق، غطى كثيراً من الموضوعات. وإزاء رجل عمل كبيراً للاقتصاديين في البنك الدولي، ورئيساً للمجلس الاقتصادي للرئيس بيل كلينتون، ومنح جائزة نوبل وأربعين شهادة دكتوراه فخرية وثمانين أستاذية فخرية، وجوائز أخرى لا تعد، واعتبرته مجلة "تايم" واحداً من بين أكثر مائة شخصية تأثيراً في العالم؛ فإنه بلا شك يستحق منّا أن نستمع إليه، وأن نراجع ما يقوله، ونأخذ بعد التمحيص بما يقترحه.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جواد العناني حنان كامل الشيخ