تدخل البيت فتجد زوجتك «ضاربة بوز» وكشرتها بطول مترين، فتقول في سرك أن ثمة أمرا عابرا ستعالجه بحكمة، تفتعل خفة الدم، وتلقي بنكتة «بايخة» فلا يضحك عليها أحد سواك، تتناول طعامك وتبدأ بالتغزل بطعم الكفتة اللذيذ، رغم أن اللحمة من عجل هندي أو صيني كأنه قُدَ من كرتون، فلا يصدقك أحد، لأن الصينية كما هي، فقد عزف الأولاد عن تناولها، وتشاغلوا بساندويشات الجبنة المثلثات، أو المارتاديلا، وهي ليست أحسن حالا من الكفتة، لكن البهارات والألوان والمعالجة الكيماوية أنسوها أصلها، تفتقد كأس الشاي بعد أن تنهي الأكل، وأنت تسترق النظر إلى وجه الزوجة، فلا يكاد يتغير شيء: بل إن الكشرة أخذت شكلا آخر، حيث بدأت تساندها صرخات وأوامر من قبيل: ليش ما جليتن يا بنات، أو وين المي اللي في الثلاجة؟ أو قوموا رتبوا غرفكم، تتغاضى عن الموسيقى التصويرية التي تصاحب وجبة الأكل، فتنهض عن السفرة وتأخذ معك بعض الصحون، في محاولة لإظهار ولاء بيتي، وحرص على ترتيب الأشياء، وربما الإيحاء بأنك حريص على التخفيف من عبء هم إدارة المنزل، وتعود بعد أن أنهيت الأكل، فتميل إلى شريكة الدهر محاولا تسريب همسة غزل، فتشيح عنك بوجهها، وتنفجر: خرجت اليوم ولم تعطني مصروف البيت
فتعتذر وأنت تعرف أن هذه الحجة ما هي إلا ذريعة لإبداء النكد ليس إلا، وتقول في سرك: وصلة نكد وتنتهي، وبالفعل تتغير تقاطيع الوجه، بعد أن تغدق من جيبك ما تيسر | .
في اليوم التالي تستمر الوصلات والتذمر، فتصلح من أمرها، أو تحاول ذلك، لكن بلا جدوى، كل يوم افتعال لطوشة أو عركة كما يقول المصريون، أو خناقة، فتدرك أن في الأمر أمرا، وأن ما حسبته حدثا عارضا ما هو إلا سياسة ثابتة، فتنبش في عمق المشهد، وتكتشف أن النكد سببه الرغبة في تغيير أثاث غرفة الجلوس، بعد أن تغير «موديله» ولم يعد يليق بالمنزل، وأن مسلسل النكد المفتعل ليس عابرا، بل مخطط له بعناية شديدة | .
في كل مرة يتم الاعتداء على صحفيين أو مواطنين في بلادنا نسمع أن هذه حوادث عارضة، وليست سياسة ثابتة، كما هو شأن نكد البيت الفجائي، لتكشف أنه ليس عارضا، بل هو تغيير جوهري في استبدال الكلمة والحرف بالقنوة والهراوة والقايش، أنا اول واحد لا اريد أن اصدق ما اقول، لكنني لا أستطيع، فالكلام عن حرية التعبير وحق المواطن في إبداء رأيه، وبقية موشح الحريات في جهة، وما يحدث على الأرض في جهة أخرى، بل إن سياسة الضرب عمياء ولا تفرق بين مراسل التلفزيون الأردني وقناة القدس او الجزيرة، لأن الهدف كما يبدو تكميم الأفواه وتلقين أصحاب الكلمة درسا في الخوف، والنأي عن ممارسة مهنة نقل الحقائق، لأن القادم له استحقاقات يجري الإعداد لها بعناية | .
بصراحة شبعنا كلامنا مزيونا، وعبارات كبيرة يفوح عبيرها بالحرية والديمقراطية، لأن ضربة قايش أبلغ من مجلد مليء بقصائد الغزل، ما نسيه صناع السياسة أن طعم الحرية أحلى من أن يُنسى، ونحن الصحفيين والمواطنين تذوقنا هذا الطعم، ومستعدون بكل قوة أن ندفع أرواحنا ثمنا له، كي لا نحرم أبناءنا من التمتع به، حتى بعد أن نتمدد في أسرتنا الترابية | .
المراجع
addustour.com
التصانيف
صحافة حلمي الأسمر جريدة الدستور العلوم الاجتماعية
login |