في نهاية العشرينيات وفترة الثلاثينيات من القرن الماضي، تعاقب على رئاسة الحكومات الأردنية ذوات دامت حكوماتهم بين 4-6 سنوات تقريباً، مثل حسن خالد أبو الهدى، وتوفيق أبو الهدى، وإبراهيم هاشم.
وبعد الاستقلال، لم تعمّر الحكومات كثيراً حتى السبعينيات، حين تغير الأمر عند ذلك. وتفاوتت فترات الرؤساء زيد الرفاعي، ومضر بدران، وعلي أبو الراغب، بين 3-4 سنوات. أما باقي الحكومات الأردنية، فلم تعمّر في المعدل لأكثر من سنة.
ولا يعني استمرار فترة الرئيس لعدد من السنوات أنه لم يشكل سوى حكومة واحدة؛ بل إن بعض الرؤساء شكل أكثر من حكومة خلال رئاسته المستمرة لها، ومعظمهم أجرى تعديلات، عدا عن التغيير.
وفي الفترات التي دامت فيها الحكومات، كان مجلس النواب إما جديداً بعد العام 1928، أو أنه كان معطلاً واستعيض عنه بالمجلس الاستشاري، كما حصل خلال السبعينيات وأوائل الثمانينيات من القرن الماضي. وحتى خلال فترة المهندس علي أبو الراغب، كان مجلس النواب محلولاً لمدة فاقت السنتين.
هل نستنتج من هذا الاستعراض التاريخي أن هنالك علاقة عكسية بين وجود مجلس نواب منتخب وبين استمرار رؤساء الحكومات؟ وهل يمكن لنا أن نستنبط أن مجالس النواب تشكل حالة عدم استقرار حكومي؟ أم أن هذا كله مجرد توافق غير مقصود، وأن السبب وراء تغيير الحكومات هو فقدانها قبوليتها لدى الشعب أو لدى القيادة؟ أم أن الظروف المتقلّبة في الأردن هي التي قصّرت أعمار الحكومات، وجعلت قدرتها على الاستقرار غير ممكنة في ظل القرارات غير الشعبية التي تتخذها في ظروف الأزمات المتعاقبة؟
لقد جرب الرئيس عبدالكريم الكباريتي العام 1996 تشكيل حكومة كان نصف أعضائها تقريباً من النواب، وصدف أن حجم تلك الحكومة كان الأكبر في تاريخ الأردن، إذ بلغ عدد وزرائها اثنين وثلاثين وزيراً. ولكنها لم تكمل عاماً واحداً.
وها نحن اليوم نرى أن حكومة د.عبدالله النسور المكونة من سبعة عشر وزيراً، تواجه أزمة خطيرة مع مجلس النواب الجديد. ويبدو أننا نواجه اليوم أرقاماً جديدة. ففي عقود الثلاثينيات والأربعينيات وحتى السبعينيات، كان مجلس النواب مكوناً من أربعين نائباً، وكانت أعداد الوزراء لا تتجاوز عشرين وزيراً. أما في حكومة الكباريتي، فقد كان عدد النواب ثمانين، وعدد الوزراء اثنين وثلاثين. واليوم، فنحن أمام مجلس نواب مكون من مائة وخمسين عضواً، بينما لا يزيد عدد الوزراء على سبعة عشر وزيراً.
إذن، فقد جربنا كلّ الصيغ؛ حكومات سياسيين لم تدم سوى أيام معدودات، وحكومات تكنوقراط دامت لسنوات، وبرلمانات صغيرة وحكومات صغيرة لم تدم، وبرلمانات متوسطة وحكومات كبيرة لم تدم، وها نحن اليوم أمام حكومة تكنوقراط صغيرة العدد مهددة من مجلس نواب كبير العدد بعدم الاستمرار.
ماذا نفعل إذن في الأيام المقبلة؟ أعتقد أننا مجبرون على العودة إلى أوراق العمل الملكية، لكي نطبق ما ورد فيها. نريد أحزاباً تشكل حكومات أكثرية. والتحدي الأكبر هو أن تعيش الحكومات مع مجلس النواب.
نريد أن ننتقل من حالة الـ150 حزباً، إلى ثلاثة أو أربعة أحزاب تعرف ماذا تريد، وأين تقف من القضايا، بدون أن نستمع إلى خطابات طويلة. وحينها، قد تتفرغ الحكومات لعمل ما يتوقعه منها الجميع.
بقلم: جواد العناني.
المراجع
rasseen.com
التصانيف
صحافة جواد العناني حنان كامل الشيخ الآداب