حلم لن يتحقق ذلك الذي يطالب بمحاكمة الرئيس الاميركي جورج بوش. فرئيس الولايات المتحدة اقوى من ان يحاكم، وأقوى من أي محاججة قانونية يمكن ان تساق ضده استناداً للقانون الدولي.
لن يحاكم بوش في محكمة. لكن محاكمته من قبل شعبه بدأت. والمؤشرات انه سيدان في ذاكرة التاريخ الأميركي, قبل العالمي، بتهم خطيرة أهمها انه جعل بلاده من اكثر البلدان كرها في العالم، وخسر حرباً شنها على الإرهاب لسطحية فهمه لأدوات الصراع واسبابه وسبل مكافحته.
ادخل الرئيس بوش الى البيت الأبيض ايديولوجية يمينية متطرفة أعطت لنفسها حق تعريف الخير والشر بمعزل عن الأعراف الدولية. ومنح بوش نفسه حق محاربة "الشر" أنى وكيف شاء. فشن حرباً على العراق رغم معارضة العالم لها، وحصر الحرب على الارهاب في مطاردة عسكرية لم تأخذ بعين الاعتبار التبعات الأمنية والسياسية والفكرية على العالم برمته.
حولت الادارة الاميركية العراق من بلد يحكمه ديكتاتور متهور اذاق شعبه ويلات الظلم والعذاب الى فوضى جاذبة للارهاب ومصدرة له. وكرست هذه الإدارة الفجوة الثقافية بين الغرب والشرق جاعلة من الـ "نحن" ضداً لـ "الآخر" في صراع فكري ثقافي، وعند بعضهم، وجودي.
وظف الرئيس بوش الماكينة الإعلامية الهائلة لادارته في تسويق هواجس غير موجودة واسباب مختلقة عن دوافع شن الحرب على العراق وعن حجم الخطر الذي يمثله الاسلام.
وألحق بوش، بسياساته تلك، الضرر بأكثرية مسلمة ترفض الطروحات الدينية لمجموعة تكفيرية حين أقحم دولته برعونة وسطحية في الصراع الفكري ضد هؤلاء فأسهم في تمكين التكفيريين تصوير إرهابهم لدى فئات مجتمعية وكأنه جهاد لخدمة قضايا العرب والمسلمين.
يدفع الرئيس بوش الآن ثمن سياساته الخاطئة في المنطقة انخفاضاً غير مسبوق لشعبيته وتحدياً من داخل المجتمع الأميركي لادارته.
غير انه بدلاً من أن تعيد الادارة الاميركية تقويم سياساتها حماية لمصالحها أولاً واسهاما في انقاذ العالم من تبعات انتشار التطرف والكره للآخر، تمعن في عنجهيتها وتطرح المزيد من السموم التي ستعمق الفجوة بين الاسلام والغرب، مثل تخويف الأميركيين من امبراطورية اسلامية تمتد من اندونيسيا الى الأندلس. أي امبراطورية تلك وأي استهتار ذلك بعقول الناس من قبل حكومة تتحكم بمصير العالم؟
يحق لشعوب العالم كافة ان ترفع صوتها احتجاجاً على ممارسات الادارة الأميركية لأن هذه السياسات تؤثر على حاضرها ومستقبلها. وطبيعي أن يشهد المجتمع الأميركي تحركاً مناوئاً لسياسات ادارته لأن هذه الادارة تضر بهم وتشوه إرثهم الحضاري وتخلق حالاً من العداء العالمي لهم.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  ايمن الصفدي   جريدة الغد