تقول الإحصاءات إن الناتج المحلي الإجمالي لدول العالم بلغ عام 2012 بالأسعار الجارية (7ر71) تريليون دولار تربعت الولايات المتحدة على رأس القائمة (7ر16 تريليون)، تلتها الصين (2ر8)، ثم اليابان (0ر6)، ورابعاً ألمانيا (4ر3) تريليون. أما تركيا فقد احتلت المركز السابع عشر بمقدار (789) بليون دولار. أما الأردن فجاء في المرتبة التسعين من بين (194) دولة حيث بلغ ناتجها المحلي الإجمالي (2ر31) بليون دولار. 

 

أما إذا حسبنا الناتج المحلي الإجمالي حسب القوة الشرائية المتعادلة، فإن الولايات المتحدة تبقى الأولى، ثم الصين، ثم الهند ثم اليابان ومن بعدها ألمانيا. أما تركيا فتحتل المرتبة الخامسة عشرة. والأردن يحتل المرتبة (101) حسب هذا الجدول. وبمعنى آخر أن القوة الشرائية المعادلة للناتج المحلي تقدم تركيا مرتبتين، وتؤخر ترتيب الأردن عشرة مواقع.

 

نسبياً، فإن الاقتصاد التركي ينتج في السنة ما يقارب (25) مثل الإنتاج الأردني. ولو قارنا نسبة سكان الأردن لسكان تركيا، لوجدنا أن النسبة تقريبا (9 %)، أي أن سكان تركيا يبلغون أحد عشر مثل السكان في الأردن. وبعبارة أخرى فإن معدل دخل الفرد التركي يبلغ  230  % من معدل دخل الفرد الأردني. وإذا كان معدل دخل الفرد في الأردن يبلغ حوالي (4800) دولار، فإنه في تركيا يزيد على أحد عشر ألف دولار. 

 

في عام (1980)، كانت تركيا مفلسة، مليئة بالاضطرابات، وقد زرتها في ذلك العام كوزير تموين من أجل استرداد مبلغ قدره عشرة ملايين دولار كانت الحكومة التركية تدين بها لشركة الفوسفات الأردنية. وقد اشتريت حينها خمسين الف طن قمح تركي، لأن تركيا لم تملك المال لسداد ذلك الدين بالدولار. 
استنبول آنذاك كانت تعاني من غياب الأمن، والانفجارات، والقذارة في الشوارع باستثناء حي "تقسيم" الأوروبي. وكذلك انتشر الفقر، والبطالة، واتسع فيها كذلك العمران العشوائي خاصة من قبل القادمين إليها من الأرياف طلباً للعمل.

 

ولما زرتها قبل عشرة أيام – ولمدة ستة أيام، بدعوة كريمة من جمعية "الخدمة" التركية. وجدت مدينة أخرى رغم أن آخر زيارة لي إليها كانت عام (2003). الشوارع نظيفة، والسير منتظم، والحدائق رائعة التنسيق، الناس سعداء مستبشرون، والسياحة كبيرة، وعدد الفنادق يفوق (2100) فندق، وكلها مليئة بالزوار. 
وهنا يجب أن نبحث عن الروح التي تجعل استنبول كبرى مدن تركيا ذات الـ (16) مليون نسمة بهذا التطور والبهاء والنظافة. 

 

لقد وجدت تلك الروح في الجمعية التي دعتني مع زمرة من الإخوة والأخوات، فهذه الجمعية تقوم على فكرة انشاء الإنسان السوي، صاحب الخلق، والبعيد عن الفساد، والراغب في المنافسة، والمقدر لمعنى العمل المنتج. وقد أنشأت الجمعية في تركيا اكثر من (2000) مدرسة، فيها (5) ملايين طالب. وكذلك أنشأت (16) جامعة، هذا عدا عن مدارس لها في حوالي (200) دولة. 

 

كل الطلبة يتخرجون بمزاج وسطي، ولا يشتغلون بالسياسة إلا بعد التخرج. تخيل هؤلاء كقوة في سوق العمل التركي بعد (10) سنوات، لا شك أن بناء الإنسان المتناغم مع الآخرين والوسطي المعتدل هو الدرس الأهم من زيارة استنبول.

 

والمواطن السوي الوسطي المجتهد المؤمن بقيمة عمله لا يقبل أن يرمي قاذورة في الشارع، ولا أن يسيء للآخرين، ولا أن يطلب الواسطة، بل يطلب العدالة والإنصاف.

 

بقلم: جواد العناني.


المراجع

alghad.com

التصانيف

صحافة   جواد العناني  حنان كامل الشيخ   الآداب