الديمقراطية منظومة قيمية تخلق ثقافة مجتمعية تنتج قوانين وتقاليد تحول دون تجاوزها وتعاقب من يخرقها.
تلك معادلة تعتز الولايات المتحدة بتكريسها نظام حكم وحياة وفر آليات حماية الديمقراطية من تجاوزات الأفراد والمجتمعات. وقدّم التاريخ الأميركي نماذج عديدة في معاقبة من تجاوز على حقوق الناس, وصلت حد عزل أحد رؤسائها.
وهي إذ غزت العراق في قرار أحادي خرقت فيه الديمقراطية الدولية المنقوصة التي تمثلها الأمم المتحدة, ادعت أنها تريد ترسيخ الديمقراطية في العراق الذي عانى أهله ويلات ديكتاتورية صدام حسين.
لكن واشنطن إذ مهدت لانطلاق عملية سياسية هدفها تكريس الانتخابات سبيلاً لتولي مسؤولية الحكم في العراق, غاب عنها, أو ربما غيبت عن نفسها لاعتبارات آنية, أن الديمقراطية ثقافة تبنيها تراكمية ممارسات واجراءات.
وكان الإعلام إحدى ركائز الديمقراطية التي اختارت واشنطن أن تكرس فيها قيماً وممارسات تتعارض مع الأخلاق المهنية التي يجب أن يتبناها الاعلام الحر العامل في بيئة ديمقراطية ديدناً له.
وفي خطوات هي الضد للقيم الديمقراطية, اعتمدت واشنطن الاغراءات المالية وسيلة لدفع الصحافيين لنشر مقالات تتناول اميركا وسياساتها في العراق ايجابياً.
ذلك تصرف لا يبرر. فالاعلام العراقي الذي تمتع بالحرية لأول مرة منذ عقود كان فيها اداة لديكتاتورية صدام حسين, يحتاج لتجذير ثقافة مهنية تضمن اداءً مقنعاً في حقبة ما بعد صدام.
فلا بد أن يطور العراق الديمقراطي صحافة حرة تحتكم لمنظومة قيمية أخلاقية غابت عن المؤسسات الاعلامية في أكثرية الدول العربية ودول العالم الثالث كافة.
تلك حقيقة كان يجب أن يدركها الساسة الأميركيون الذين يديرون الملف العراقي, اذا كانوا يهدفون الى تكريس الديمقراطية في العراق. لكن, وعلى العكس من ذلك, لجأوا الى تقديم المال لصحافيين في إجراء لا يمكن إلا أن يؤدي إلى افساد المهنة وأن يشكل عائقاً أمام تطور اعلام مهني مستقل.
يحق لأميركا أن تعمل على تحسين صورتها وتعظيم انجازاتها. لكن أي تغيير إيجابي في صورة أميركا لن يتأتى من خلال نشر مقالات مدفوعة. فصورة أميركا لن يحسنها الا تحسن في تصرفاتها في المنطقة وتغيير في سياساتها.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة ايمن الصفدي جريدة الغد