في الزمان نفسi الذي اشتعلت فيه حرب غولدستون بين مؤيدي التروي والتكتكة السياسية، وبين مقتنصي فرص سقوط الجمل ليكثروا في غرز سكاكينهم .. وفي مكان آخر نساء وأطفال غزيون يتسرسبون من تحت ألحفتهم قبل بزوغ الفجر ليلحقوا بطوابير الخبز الذي سيفرغ عن فرشات العجين قبل الثامنة صباحا.. الساعة التي ينتهي فيها النهار عمليا.
 
وبالتزامن مع تهديدات القاهرة لقادة حماس بمنحهم ثمان وأربعين ساعة للرد على مقترح المصالحة مع فتح .. تقسم أربع عائلات في مخيم جباليا اسطوانة الغاز التي تشعل تحت طنجرة سلق واحدة وابريقا كبيرا لغلي الشاي يكفي الصباح والعصر وقبل النوم ..توفيرا للطاقة> وهم هناك يتندرون على السياسة وأهل السياسة الذين لا يعرفون أن الطاقة البديلة في غزة هd كروز الدخان بلا نقاش.
 
محوران رئيسيان أصبحا محركين نشيطين لتصدر اسم غزة على لائحة الاهتمامات السياسية والاخبارية وانفرادها في جذب الأضواء اليها من جديد على حساب أخبار جوائز نوبل والتحركات الأميركية المكوكية لحشد التأييد لفرض عقوبات جديدة على إيران.
 
المحور الأول هو تقرير غولدستون الذي صار المسمار الذي يدق في عنق كل فلسطيني تحرك أو اقترب أو لمس كتفه القاضي وتقريره. والكل  احترق قلبه من تداعيات الفضيحة، حتى أولئك الذين لم يقبلوا أن يتساوى الضحية بالجلاد، صاروا الآن يتباكون على عدالة التقرير وفساد "مؤامرة التأجيل".
 
كل ذلك يحصل بينما الحديث الدائر في ساحات المدارس في النصيرات والبريج و الشاطئ عن كيف سيقاوم الطلاب فيروس H1N1 لو أنه اقتحم سماءهم التي صارت وكالة بلا بواب.
أما المحور الثاني فهو المسرحية المملة المعنونة بالمصالحة الفلسطينية التي كلما اقتربت نهايتها يقرر (أبطالها) فتح الستارة من جديد لإضافة فصل ممل آخر على من تبقى من المشاهدين.
 
ففي إطالة دراماتيكية أعلن مسؤول في حركة حماس أن الحركة سترد خلال أربع وعشرين ساعة على الورقة المصرية (الجديدة) لتحقيق المصالحة الفلسطينية، وكأن تأثير هذه التصريحات التي كانت تحبس الأنفاس فبل أشهر مايزال يحافظ على متلازمة الشهيق والزفير في بقعة ضجرت من الإمعان في المصادرات المالية والسياسية والحركية والإنسانية والحقوقية.
 
يحدث ذلك بينما العرسان في خان يونس ورفح ودير البلح يقضون ليلهم في المشاحنات والصراخ و(التفشش) لانقضاء نهار آخر من دون مشوار على شاطئ غزة، رغم أنهم قبلوا مرغمين بتعليمات الشاطئ الجديدة بألا يتمشى الرجل من دون "تي شيرت" يستر عورته وأن يحذروا من عملية تلامس الأيادي التي قذ تؤذي المشاعر العامة. المشكلة ليست في التعليمات، المشكلة بأجرة سيارة التاكسي التي ستقلهم إلى البحر بدلا من الدراجة النارية الواقفة أمام الدار والتي منعوا من استخدامها حفاظا على شرف المنظر العام.
 
من هنا أرجو من قراء المقال الذين وصلوا لهذا السطر أن يضيفوا على مفتاح غزة أي ستة أرقام عشوائية ويسألوا من يرد عليهم عن اهتمامات الناس هناك بما تبقى من التصريحات والأخبار والتهديدات، ومن جهة أخرى ماذا تبقى من الحليب والسكر والشاي، أسألوهم عن مستشفى الشفاء الذي هو بحاجة لمستشفى لتطبيبه، عن الطلبة الذين حصلوا على منح للدراسة في الجزائر واليمن وروسيا، واسألوا عن النائمين على معبر رفح ممن تتضاءل أحلامهم وتتآكل أجسادهم من قهر الزمن الذي يمر سريعا وبطيئا في الوقت نفسه.
 
اسألوهم أيضا عن الحمير التي قام مبدعون بتخطيطها ليوهموا الصغار بأنها حمر وحشية حقيقية ويفرحون باللهو معها. استفسروا منهم إن كانت المصالحة ستعيد ماء الوجه لتاريخ مدينة لطالما عايرت مدن العالم بقصص بطولاتها. اسألوهم إن كان تقرير غولدستون سيقدم أو يؤخر الخطوات الى قبور مئات الشهداء أول أيام العيد السعيد، وبالمرة اطمئنوا على وضع العلم والدراسة في مدينة احتلت يوما المرتبة الثانية عالميا في نسبة المتعلمين من أبنائها بعد سويسرا.
 
أرجو من المهتمين حقا والقادرين على دفع فاتورة الهاتف الدولي أن يخوضوا تلك التجربة، وأنا على يقين أن قراءتهم الخبر المتعلق بغزة سوف تتبدل، لأنهم سيتعلمون أن القراءة بالمقلوب أسهل على الفهم وأسرع للوصول إلى الوجدان، حيث إن اللحم والدم المتبقيين على قيد الحياة هما أول الاعتبارات وآخر فصول السؤال.

المراجع

alghad.com

التصانيف

صحافة   جريدة الغد  حنان كامل الشيخ   الآداب