كل يوم تدخل غرفته صباحاً وتفتح الباب خلسة حتى لا توقظه من نومه الطويل.. وكل يوم تعرف أكثر أنه غادر من دون رجعة سريره ومكتبه وخزانته وصور المطربين المعلّقة على جدران غرفته.. وهاتفه الخلوي المشبوك بالشاحن طوال الوقت!
 
تجلس على طرف سريره وتنظر إلى صورته داخل الإطار؛ حيث يقف متوسطاً أصحابه وصاحباته، متكئاً بذراعه كتف أحدهم.. وتبدأ بتلمس وجهه وشعره وصدره ثم تقف طويلاً عند إشعاع عينيه اللتين انطفأتا وتندم.. "ليتني أبقيتهما مضاءتين يا ولدي"!
 
تعيد الصورة إلى مكانها وتردد حكمتها الخاصة كل يوم: ما نفعُ الندم بعد أن يهال التراب!
سأتجاسر بإلحاق هذه الصورة على معظم العائلات التي فقدت أعزاء لها في ساعة غفلة لم تمنحهم الفرصة لإعادة التفكير مرتين للموافقة على التبرع بأعضاء موتاهم، ساعة صعبة صعبة.. ضيقة خانقة وموجعة.. لكنها ساعة الحق التي علينا جميعا أن نكابد الصبر والشجاعة في كل لحظاتها ألف مرّة ونكون أهل عزم في قرار ولا أروع وتجلّ إنساني ولا أرفع ونقولها بفم مليء: نعم نحن سنتبرع!
 
مئات المرضى في بلدنا ينتظرون أعواما طويلة على أمل الحصول على عضو متبرّع به، فيما يموت معظمهم من دون تحقيق هذا الحلم الكبير بالعيش أيام العمر الباقية مثل الناس.. هذا لأننا ما نزال نستقرئ قضية التبرع بالأعضاء بعد الموت بدينماكية تأجيلية مرتبطة بحقيقة أن الموت والانتهاء مؤجلان، فيما أدمغتنا مشغولة بكل أنماط الحياة والعيش والاستمرار.. ورغم شيوع القبول العام لفكرة التبرع في المجتمع الأردني المرتبط بالعرف والتقليد المعزز لقيم النخوة والتضحية والإيثار والبطولة، لكن خطوات بطيئة جدا هي التي تحققت على أرض الواقع مع أن عدد ضحايا حوادث السير مثلا يتراوح بين 700 و800 ضحية سنويا خلافا لموتى السكتات القلبية والجلطات الدماغية وغيرها من أسباب الموت المفاجئ.
 
أعرف أن قرار الأهل في تلك اللحظات الساخنة يكون صعبا ومستحيلا ومؤلما، لهذا فإنني أعتقد أن التبرع بالأعضاء هو قرار شخصي جدا بكل أبعاده، فهو من جهة يعبر عن رغبة المتوفى الخالصة بهذا العمل النبيل أثناء حياته وبكامل قواه العقلية، ومن جهة ثانية يخفف من وطأة اتخاذ الخطوة بالنسبة للأهل الذين سيتعاملون مع رغبته كوصية لازمة التحقيق فيرتاحون.
 
تخيلوا لو أننا بدأنا بحمل بطاقة "أنا متبرع" بجانب الهوية الشخصية أو رخصة القيادة.. تفرجوا كيف سينزل هذا الخبر على شبكات وسماسرة بيع الأعضاء البشرية الذين لا يرحمون لا البائع ولا المشتري أثناء تنفيذ عملياتهم الوسخة التي وصلت إلى الخطف والقتل لتنفيذ هدف كان يمكن تنفيذه من دون اللجوء -مرغمين- لتلك الأيادي القذرة.
 
أحد الأطباء الأميركيين واسمه "مورتيسوغو" وصف نقل الأعضاء بأنه "آخر الأعمال الطيبة البشرية"، وهذه حقيقة؛ لأن إنقاذ ما يمكن إنقاذه من القرنيات والكلى والأكباد والأنسجة يجعل من ثقافة التبرع بالأعضاء بصمة إنسانية جارية... أتحدث عن بطاقة التبرع اليوم فيما أدعوكم للاطلاع أكثر على حال مرضانا المتشبثين بالحياة والمحكومين بلحظة انفراج معقودة على الحكمة والشجاعة والنبل.. ثم ما المانع أن نبقي على بعض من أحبائنا في أجساد آخرين.. أولن يلهينا عن غيابهم حسهم في الدنيا؟! شكرا..

المراجع

www.alghad.com

التصانيف

صحافة   جريدة الغد  حنان كامل الشيخ