المخطوف ينام فوق جثّة أبيه، الممددة وسط غرفة الاستقبال .. دم بلون الطّهر، ينفر من أنفه المدفون بين أزرار القميص الكبير.. يجاهد ليرفع رأسه، وينظر حيث الوجه الذي مات قبل قليل، ويتأكد .. أهذا الذي كان يضع يده على عيني قبل عام؟ حين كانت الأخبار تبث صور رجال ونساء ممددين في بيوتهم، وعيونهم مفتوحة على آخرها تنظر للخلاص .. فيما بقايا أطفالهم يبحثون عن الرحيق الأخير بين الأثداء وتحت أحذية الآباء..
يعاتبه بصوت عال جدا: ألم تقل لي إن الصور غير حقيقية؟ إذن، ما بال صوتي يرتد إليّ يتيما الآن، وأنا أناديك بابا .. فلا تردّ علي؟

 

المهزوزة تخرس ترددها للمرة الألفين، وتعاود القرار الذي تندم عليه بعد خمس دقائق.. سأجلس في مجلس الرجال، يعني سأجلس في مجلس الرجال!

 

لا شيء يطفئ نار فضولها .. بيان المتقاعدين؟ نقابة معلمين؟ إيفا أبو حلاوة؟ سيارات الهايبرد؟ خطة عدنان حمد؟ قانون الانتخاب الجديد .. آه هذا تعرفه:"زادوا عدد المقاعد عشرة، مائة وثمانية انتخاب، واثنتا عشرة كوتا نسائية"..

 

الصمت الذي يلي مداخلتها مباشرة، يهيئها للصوت الواحد الأجش، الذي ترتعد له أوصالها، وتنتحر على عتبته آمالها .. "إنت شو اللي مقعدك هون؟ انصرفي جوا ساعدي النسوان".

 

المفصوم يجلس على مقاعد الدرجة الثانية في الاستاد الرياضي، وبيده كيس شيبس وعلبة كولا، .. عيناه لا تفارقان وجه أبيه المتجهم.. لا شيء يعنيه في هذه المباراة، المكرورة التالفة من كثرة الاستعمال.. الأهم هو الاحتقان والعض على اللسان، وكيل الشتائم المنتجة محليا، التي لا ترحم أرضا ولا ترحم عرضا!
قاموس من البذاءات المتطورة آليا، والمعاني الظاهرة والمخفية، والهتافات الملغومة بالكراهية، والغضب من كل شيء .. لون قميص .. قصة شعر .. لقب عائلة .. رائحة طبيخ.. أي شي إلا كرة القدم!
ناهيك طبعا عن حركات اليد، ولغة الجسد المتحفزة دائما لإهانة اللاعبين والحكام والجمهور وكاميرات التلفزيون..

 

"الليلة حين أعود، سأرمي بالكتب تحت السرير، وأملأ حقيبة المدرسة باللغة الجديدة قبل أن أنساها .. وأكيلها غدا بوجه (الكلاب)، الذين فازوا علينا ظلما، وتواطؤوا مع الحكم.. غدا سأمسح الأرض بأسماء أخواتهم، وتاريخ أجدادهم .. غدا سأعض على لساني مثل الكبار، وألقنهم درسا قذرا في اختلاف الرأي .. لن يكلفني الأمر شيئا .. فأنا وناظر المدرسة من الفريق نفسه"!

 

....
في صباح يوم ما، سيجلس المخطوف والمهزوزة والمفصوم، على دكك متجاورة في الصف السابع، "صافنين" في المعلمة، التي ملّ حلقها من الإعادة الجوفاء: "امتحان التربية الوطنية، للفصل الثاني، سيكون في المواضيع التالية: حق الإنسان في الحياة .. المشاركة السياسية للمرأة.. اختلاف الرأي وموضوعية الحوار ...
اطمئنوا! لن تكون هناك أسئلة خارجية، المطلوب حفظ المواد غيبا..........
...انصراف!

 

بقلم: حنان كامل الشيخ.


المراجع

alghad.com

التصانيف

صحافة   جريدة الغد  حنان كامل الشيخ   الآداب