"نسوان من القلة"! تفلت منه العبارة ضمن مخرجات صدره المسائية، دخان النرجيلة المكتومة، السعال الذي صار رفيق درب عملية التنفس، والضيق من الحكمة التي اكتشفها منذ بلغ الخمسين:"اللي عندي مره، وهاي مره"؟ بالله عليكم أخبروني وأنا راض بجوابكم، ما هي أوجه التشابه بين الفرس الحرة الأصيلة الرشيقة الأنيقة الجميلة النظيفة الذكية الخفيفة المعطرة الناعمة المتألقة الدلوعة هذه، وبين فرس النهر التي أنام بجوارها كل ليلة؟ تجلجل في المقهى ضحكاتهم العالية وتعليقاتهم البذيئة، وبعض من روائح الكبت المقهور.
يقوم صاحبنا من مكانه استعدادا للرحيل، ويستغرقه ذلك خمس دقائق كاملة بينما يسحب كرشه من تحت الطاولة، ثم يأخذ شهيقا عميقا بعد هذا الجهد، يجاهد لغلق زرين انفجرا أثناء انشغاله بمراقبة المذيعة المشهورة، يحشر أصبعه بين فكيه محاولا إخراج بقايا شاورما الدجاج، ويمضي بخفين ثقيلين وكتفين محنيين، وسعال يأبى أن يرتاح، وبقعة تصحر كبيرة تتوسط رأسه من الخلف.
في المقهى ذاته كان يجلس موظف "كبير" في وزارة التنمية السياسية، سيأتي عليه الصباح ثقيلا ومربكا، اليوم تزورهم مندوبة عن البرنامج الإنمائي التابع للأمم المتحدة، يعرف هو مدى صعوبة وتعقيد المهمة المنوطة به، وبصراحة يعرف أكثر كيف ابتلي شخصيا بها، بعد أن تملص زملاؤه "الكبار الآخرون" منها. والآن وهو في طريقه للوزارة، يكافئ نفسه بابتسامة خفيفة لمرآة السيارة، على ذكائه في تكليف مساعدته بإعداد التقرير الكامل والإجابة على الأسئلة التي أرسلت عبر البريد الإلكتروني، والذهاب إلى المواقع بنفسها للإشراف على عملية التصوير الفوتوغرافي، وإعداد أفلام توثيقية "ممنتجة جيدا"، تظهر الوجه الحسن للممارسة التنموية التي تعزز حقوق الإنسان في البلاد!
ما عليه إلا أن يستلم المواد من مساعدته الدؤوبة، والتي يعتقد أنها تحبه من طرف واحد، ثم يشيح بوجهه عنها ويطلب منها المغادرة فورا لمتابعة حفل الإفطار على شرف الضيفة.
يصل المسؤول متأخرا عشر دقائق، ليفاجأ بملكة جمال سويدية تنتظره في مكتبه، يرتبك قليلا قبل أن يتراجع خطوتين إلى الوراء، يشفط بطنه إلى آخره، يرفع كتفيه ويشد صدره، ويدخل عليها بكامل ذكورته، لا يرد على تحية صباح مساعدته لأنه أصلا لم يسمعها، يمد كفه المتعرقة ليسلم على الجميلة، فتبتسم له بود البلاد الأوروبية التي تعي معنى الابتسام، يشير للمساعدة بأن تركض لملاحقة الأمور ويطلب لهما فنجاني "نسكافيه بلاك"، وحين يخلو المكتب لهما وحدهما، تبادره المندوبة الرسمية بالمجاملة: "Seems that the report is ready ..and I think it`s a record time ! "
يهز رأسه الذي لم يفقه كلمة واحدة، ويضغط على زر الاتصال الذي يطلب مساعدته تلقائيا، ويقول لها من بين أسنانه المبتسمة: تعالي فورا!
وأيضا كان يجلس في نفس المقهى ثلاثة نواب سابقون، قضوا شهورهم الأخيرة يبحثون عن "قبة" تلمهم وتستوعب آراءهم عالية الصوت، خفيضة القيمة. بدؤوا رحلتهم في نوادي الخمس نجوم، مرورا بمطاعم أم أذينة، نهاية بمقاهي دوار الواحة بعد أن اتفقوا على أن حجم الإنفاق على هذه اللقاءات، صار يثقل كاهل مدخراتهم، والتي سيحتاجونها حتما في حملاتهم الانتخابية للدورة المقبلة. رغم أنهم باتوا متيقنين أن شعارات قوانين الأحوال الشخصية، ومحاربة العنف ضد المرأة، وحقها في التمكين السياسي، هي بوابتهم قليلة التكلفة للمرور. لكن ذلك لن يغني عن بعض "الهدايا" الأخرى!
سيوافقون على غدر، ويصفقون لزميلات الكوتا أثناء دخولهن الاستعراضي أول أيام الخريف.. لكن حين تحين الساعة، وترفع إحداهن يدها تصوت للقانون، ستسمع أصواتهم المجلجلة خلفها وهم على نفس واحد: أم طارق .. نزلي ايدك!
بقلم: حنان كامل الشيخ.
المراجع
alghad.com
التصانيف
صحافة جريدة الغد حنان كامل الشيخ الآداب