على الكرسي المنفرد في زاوية الباص، يجلس محمد ممددا ساقيه على آخرهما، عاقدا ذراعيه أمام معدته ووجهه ملتصق بالزجاج. هذه هي طريقة إعلانه عن قراره بأنه لن يتزحزح من مكانه حتى لو كانت العجوز التي ترتكز بكفها المهترئ على حديد الكرسي المقابل، تشبه والدته كثيرا.
فيما تجاهد وفاء في لملمة أطراف فستانها الطويل نسبيا، ورفع فتحة الصدر الى آخرها، كل أربع ثوان تقريبا، بينما عيناها المركبتان على رأسها من الخلف "تجحران" شابا جلس ملتصقا بكتفها، يرمقها بنظرات تثير شعورها بالخوف والقلق.
الطريق بين مجمع الزرقاء والمدينة الرياضية طويلة وبطيئة وكريهة اذا ما قيست بكلمات وشتائم يطلقها في بعض الأحيان عاملون على حافلات نقل عمومية، حيث يحرص السائقون على استطلاع ردود فعل ركابهم من النساء طبعا، بعد كل شتيمة، بالنظر الى المرآة الداخلية والتركيز على وجوههن المدربة على إفراغها من التعابير، وزرع طرف ابتسامة مقززة إذا تم ضبط عيني إحداهن معكوستين على المرآة المزدانة بصور الأولاد، وملصقات الأدعية المستجابة!
اليوم قرر السائق الاستغناء عن "رجل الكنترول" بعد أن اكتشف خيانته غير المغفورة، وهو يناول سائقا آخر حبتين من الخوخ الأسود، قطفها من شجرة الجيران هذا الصباح.
كم مرة حذره وعلمه أن ممتلكات الباص.. هي للباص، بكل ما تعني هذه الجملة الأثيرة من معنى.. البقشيش، الأعطيات، الأخبار، الأسرار، أرقام هواتف البنات، الأصشياء التي ينساها بعض الركاب، كل ذلك لا يجب أن يخرج من باب الحافلة.
تحت جسر ماركا يتحضر الركاب ويعدلون جلساتهم استعدادا لتلقي المحاضرة اليومية التي يكررها السائق للإسراع بالتسجيل في دوائر الانتخاب "لأنه هاظ حقنا، ليش نهمل بيه؟". كلمات يرددها قصرا وكرها بناء على قسم أجبره عليه "صاحب الباص"، ودفعه لأن يضع يده على المصحف، ويحلف أنه سيعلن له عن برنامجه الانتخابي كل صباح ومساء حتى يغري الركاب بالتصويت له في هذه الدورة التي قرر أن يرشح نفسه فيها، نزولا عند رغبة أقربائه المدعوين على مأدبة غدائه الجمعة الماضية.
الركاب؟؟ من هم ركاب حافلتك أيها العم الطيب؟ محمد؟ الذي وقع في فخ اعلانات مؤسسات التدريب الخاصة، وسجل ليتعلم مهنة تنفعه، ويتلقى"دخلا" يساعد في مصروف أخواته أثناء التدريب، ليكتشف أن مهمة مسح الحمامات كان يمكن تعلمها من أمه، وأن الأربعين دينارا لا تكاد تكفي مواصلاته من وإلى المركز!
من هم ركابك يا أبا البنات؟ وفاء التي ضحكت ملء قهرها على أجندة تخفيض عدد المواليد الأردنيين حتى العام 2030؟ ألم يسمع الأخوة المتأنقون، حاملو فناجين القهوة الساخنة وبجانبها قطع الـ (سناك) الخفيفة، أن نسبة العنوسة الذكرية والأنثوية الأردنية قد أوصلها الفقر حدا معقولا يخفض عدد حالات الحمل والإنجاب.. طبيعيا!
من؟ كنترول الباص الذي استغل عطلة اليوم ليجدد جواز سفره، بعد أن وعد الأولاد برحلة إلى الشام آخر الأسبوع، ليفاجأ وهو في دائرة الجوازات بسحب رقمه الوطني!
من؟؟ العجوز التي علمتها التجارب ألا تصدق لجنة عليا أبدا أبدا، بخاصة تلك اللجان التي تدعو كل منتصف أشهر شعبان الى طمأنة المواطنين بأن أسعار السلع ستشهد انخفاضا في شهر رمضان؟ "بأمارة إيه" على رأي إخواننا الوافدين!
ومع ذلك يصر السائق على قراءة البيان حتى آخره رغم بحة صوته التي خلفها التكرار!!
المراجع
alghad.com
التصانيف
صحافة جريدة الغد حنان كامل الشيخ الآداب