يعني بعد مضي أسبوعين على الراتب الشهري، باعتبار أن غالبية الرواتب تستحق في الثامن والعشرين من نهاية كل شهر سابق. ما يعني بالضرورة، أن هذا الموعد سيحرج جيوب غالبية المواطنين، من أبناء الطبقتين المتوسطة والفقيرة؛ لأن غرة أيام شهر رمضان الكريم، ستهل عليهم وهم تقريبا "ميح"!
كثيرون قد بدأوا فعلا استعداداتهم الشرائية للشهر منذ أيام، خصوصا مع حملات الدعاية الرهيبة، التي غلقت فتحات الأبواب، وملأت البيوت وعودا بتكسير الأسعار، وتحطيم رأس الغلاء، من خلال عروض الزيت والسكر والطحين والجوز المبشور والتمور والجبنة المحلاة، وغيرها من مستلزمات مائدة رمضان المعتادة، على بذخ الأحلام وارتفاع سقف التوقعات، بإفطارات طيبة وهنيئة، تبيض الوجه وتهدئ النفوس.
لكن ... هل تعرفون ماذا يعني منتصف عمر الراتب الشهري؟ أعتقد ببساطة، أن أياما طويلة من الارتباك والتململ والخلافات العائلية ومشتريات "على الدفتر"، ستكون بانتظار نسبة كبيرة من أسرنا في الأردن،
ليس لأن أنماطنا وسلوكياتنا الاقتصادية والاجتماعية والروحانية لا يمكن أن تتغير أبدا، خصوصا فيما يتعلق بساعة الإفطار العصيبة، بل لأن أنماط وسلوكيات الدخول الشهرية للموظف (العادي) في الأردن، وعلى مدار شهور السنة، اتخذت طابعا متحررا ومحلقا في الهواء، فما بالنا في شهر رمضان المبارك، والتزاماته المالية والأسرية "المفترض ألا تكون كذلك" ولكنها مهلكة بالفعل؟!
منتصف الشهر الميلادي، لا علاقة له بمنتصف الشهر القمري .. البدايات والنهايات ليست متوازية، ما يترتب عليه مطالبة بإعادة النظر في كيفية التعامل مع هذه "الجزئية" مبكرا، وابتكار حلول ذكية وملتوية، من كلا الطرفين، الحكومة والمواطن .. كيف بكم وماذا لا أعرف! لكنها مشكلة ستصادفنا مرتين؛ الأولى بعد العشر الأوائل والمعد لها (افتراضيا)، باعتبار مفاجآت الشهر غير المحسوبة، والثانية قبل نهاية الشهر الفضيل، حين سنفاجأ بقدوم العيد!
نعم ... فمن يمكن له أن يقدم لنا هذه الأيام، أي تعهدات بأن الأسعار ستراوح مكانها، طوال أيام الشهر، وأنها ستبقى حول المعدلات نفسها المسموح لها، والملاحقة من جهات الرقابة الرسمية، مما سيسهل على الثلث المتبقي من الدخل، تمضية بقية الأيام، من غير أحداث عنف تهدد دكانا أو تهز بدن عائلة؟ ثم إن النقاش سيتكرر، لكن بنبرة أعلى، بعد مضي منتصف شهر رمضان، حيث موعد استحقاق الراتب، فيما أسبوعان كاملان من رمضان، لم يمضيا بعد، وتحضيرات الأعياد في الانتظار!
لسنا بصدد التدخل بالقدر والمكتوب، لا سمح الله، ولكن إجراء ماليا رسميا يجب أن يدرس وينفذ سريعا، ضمن معطيات الدخول والأسعار والعادات الاجتماعية، وكلها مفروضة على المواطن فرضا، فإن قبل صاغرا بالأولى والثانية، فمن قبيل الاحترام المتبادل، أن تراعي الحكومة عاداتنا الاجتماعية، وتقاليد لن تتغير بين ليلة وضحاها، لأجل التعايش مع الظرف المحتوم.
القضية ولو أنها على الورق الآن، ولكنها ستبدأ بالتفاعل، بعد مرور أقل من خمسة أيام على الشهر المبارك، وبعد أن يتأكد للعامة، أن وعود محاربة جنون الأسعار، لن تتحقق، طالما الأسماء هي الأسماء، والأفعال ذات الأفعال، وإن تغيرت وتلونت الألوان والأشكال والأقوال!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة   جريدة الغد  حنان كامل الشيخ