الشاب خرج من بيته ليفتح بيتا، تزوج من فتاته التي كان يحلم معها بالالتئام تحت سقف واحد. فعل المستحيل حتى لا تطير منه أحلام الجامعة وتصير نارا تحرق شبابه، اقترض من البنك عشرين ضعف راتبه، وباع سيارة والده التعبانة، وأغضب نصف أقربائه من أمه بعد أن اضطر الى تقليص عدد المدعوين على الزفاف، لكنه خرج مبكرا من منزله المتواضع، أو هكذا يعتقد أبوه.

إنما الشاب لم ينس أن يمارس عادته اللئيمة هذا النهار، كما عود أسرته الأصلية الصغيرة. طلب من أمه أن تبقى مكانها تشاهد المسلسل، وقام بحجة أن يشرب، فتح بابي الثلاجة ليعرف ماذا سيفطرون غدا، أو إن كانوا يملكون شيئا يصلح للإفطار أصلا، وحين رأى كيس الباميا المفرز بجانب بعض الخبز، قرصه قلبه ورفرفت دمعة على زاوية رموشه، وقف مكانه يكتب رسالة لعروسه: ارتاحي حبيبتي! نحن مدعوان غدا وبعد غد الى الإفطار في منزل أهلي. وضع ما تبقى من الراتب في درج الملاعق، شرب ماءه و غمز أمه ثم ذهب.

السيدة اللطيفة تعمدت أن تلقن زملاءها درسا في حسن إدارة الانتاجية، ضمن معطيات فصل الصيف والصوم الطويل. قررت أنها لن تأخذ إجازة مرضية ولا حتى أن تستفيد من رصيد إجازتها السنوية، فتغيب عن العمل غدا، على الأقل في اليوم الأول.

اجتمعت معهم في كافيتيريا الشركة يودعون آخر فناجين القهوة المتاحة أثناء الدوام الرسمي، وأخبرتهم عن استعدادها أن تحل مكان أي زميل أو زميلة يتغيّب عن العمل، "لماذا أكركب صوم النهار بقضائه في الخوف من الساعات الطويلة المتبقية، ما دامت لي فرصة لحرقها في العمل ست ساعات متواصلة من دون أن أشعر؟ أرجوكم ارموا لي بأعمالكم لأتحرر من قيد النظر في الساعة مرة كل دقيقة، واذهبوا أنتم الى أسواقكم ومسلسلاتكم. أنا سأشتري حاجياتي في طريق عودتي فأمامي وقت طويل، لن أبدأ بالطهو قبل السادسة، أما المسلسلات فأتابعها على راحتي في الإعادة! على الأقل لن تقطع إثارتها الإعلانات التجارية". صاحب المتجر الصغير، الذي حشره بين بيوت جيرانه القدامى، لم يستخدم بحياته لوحة مكتوب عليها "الدين ممنوع والعتب مرفوع". كيف لقلبه أن يطاوعه على كسر نظرات أهل حارته، وهم يتمنعون عن الشراء بسبب قلة الحيلة؟ انه يعرفهم بالواحد، بل تعلم كيف يقرأ قصصهم وأسرارهم وخجلهم، وهم على عتبة دكانه. خبرته في البيع والشراء لم تكن مالية صرفة، بقدر ما تعلم القيم!

فلقنينة الكاز قيمة في ليالي الشتاء الموحشة، وللشمع الأبيض قيمة في ليالي الظلمة الخانقة، وللكلمة الطيبة قيمة في ليالي ونهارات العوز الأليم. حين دخلت عليه أم خالد الأرملة المسكينة، أم ستة أطفال أكبرهم في السابع الأساسي، بادرها الى السؤال عن بكرها الذي يعمل في إجازة الصيف في إحدى الورش، واطمأن لحاله عندما علم أن صاحب الورشة رجل خلوق ويخاف الله. أم خالد تنظر في أطراف الدكان وهي تخبره عن الولد، فيما ذهنها مشغول بإفطار أول يوم من رمضان. وكعادته لم يحتج التاجر إلى فطنة كبيرة وهو يقرأ "جزدانها" المقشور بفعل عوامل التعرية! كان قد وضب لها مسبقا كرتونة الأسبوع الأول، ناولها إياها بابتسامة حنونة، فيما حياؤها وكبرياؤها ينغصان عليها لحظة النجاة. حلفت له أنها ستسدد الدين فور أن تتسلم راتب التقاعد آخر الشهر، فحلف فوق يمينها أن تشتري به للصغار، دفاتر السنة الدراسية الجديدة، وأقنعها بالحجة والآيات القرآنية أن ما حصلت عليه هو أعطية الله لها ولأولادها، وما هو الا وسيلة متواضعة فقط. الى كل الذين سيتحرون أهلتهم هذا المساء: كل رمضان وأنتم.. خيره.


المراجع

alghad.com

التصانيف

صحافة   جريدة الغد  حنان كامل الشيخ