لن تتطور الحياة السياسية في الأردن قبل قيام حركة حزبية ذات امتدادات شعبية ومبنية على أسس برامجية حقيقية ومؤطرة ضمن منهجية عمل ديمقراطية عصرية.
ذلك تطور لن يستطيع الأردن تحقيقه بقرار لأن نضوج الفكر الحزبي مسيرة تواجه عثرات عدة تبدأ بالنظرة المجتمعية الرافضة للعمل الحزبي جراء إرث سياسي من حقب تكرست فيها عقلية العداء للأحزاب وتشمل أيضاً احتكار الساحة الحزبية من قبل أحزاب عقائدية لم تستطع أن تطور طروحاتها الى برامج مقنعة لجيل شاب.
ولن يستطيع الحوار الذي اطلقته وزارة التنمية السياسية مع الأحزاب الوصول الى وصفة سحرية لولادة احزاب جماهيرية برامجية فاعلة إلا اذا توسع في منهجيته ليتجاوز احتكار طاولة الحوار من الأحزاب المسيطرة حالياً على السجال السياسي من دون أن يكون لها ثقل مساوٍ في الشارع الأردني.
لن ينجح الحوار إلا في اعادة انتاج الراهن إذا ما اقتصرت مدخلاته على مواقف الأحزاب القائمة، والتي ستنطلق حتما في نقاشاتها نحو تعظيم مكتسباتها وإيجاد الظروف الكفيلة بتقويتها دون سواها.
ثمة منطق في المحاججة بأن فشل العمل الحزبي في الأردن مرده التركة السياسية والمعوقات القانونية. لكن ذلك جزء من المعادلة. أما الجزء الآخر الذي تقع على المجتمع مسؤولية توفيره فهو انتاج فكر حزبي يُتَرجَم برامج تحاكي تطلعات الناس وهمومهم وتستطيع اقناعهم بقدرتها على التأثير إيجاباً في حياتهم.
هذا شرط فشل المجتمع الأردني, خصوصاً طبقاته السياسية والفكرية, في تلبيته. ولعل عزوف الناس عن الحياة الحزبية سببه في جانب كبير عجز القيادات المجتمعية عن مخاطبة الناس وإقناعهم بجدوى الانخراط في العمل العام عن طريق التحزب المرتكز إلى رؤى مستنيرة وبرامج عملية تسهم في تحسين راهنهم وبناء مستقبلهم.
لذلك فإنه من الضروي أن يتوسع الحوار الدائر حول مشروع قانون الأحزاب الجديد ليشمل قطاعات غير الأحزاب القائمة. اضافة الى ذلك, ضروري أن تقدّم وزارة التنمية السياسية المكلفة ادارة الحوار مرتكزات فكرية ومنهجية منطلقاً للحوار حول قانون الأحزاب الذي يجب أن يلبي شروط إيجاد حياة حزبية فاعلة لا شروط الأحزاب القائمة.
حينذاك, وبالتزامن مع اصلاحات تشريعية وممارساتية تسهم تراكميتها في ازالة الخوف والتشكيك المجتمعي بالعمل الحزبي, يمكن أن تبدأ مسيرة انتاج حياة حزبية تعزز حراكاً ديمقراطياً مؤثراً.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  ايمن الصفدي   جريدة الغد