ضحكت من قلبي وأنا أستمع لرواية صديق، وهو يخبرنا في سهرة عائلية عن تجلي معنى الوحدة الوطنية في الأردن بأبهى صورة، من خلال "التبادل الغذائي" الذي كان يمارسه يوميا، مع جاره في الحارة القديمة في محافظة الزرقاء.
فصديقنا الطيب، ابن الناس الطيبين، لم يكن يفهم قبل أربعين عاما، لماذا كان يصرف لبعض العائلات دونا عن البقية، علب السردين واللحم المحفوظ والبسكويت المحلى والجبنة المثلثات؟!
بل إن تساؤلاته تلك كانت تتطور الى صراخ وغضب لأنه وأقرانه الآخرين لا يحصلون على تلك "الأعطيات" اللذيذة، رغم أنهم يسكنون في نفس الحي، تحت نفس الظروف المعيشية والاجتماعية تقريبا. لكنه وبعد مدة قصيرة فهم ماذا يدور حوله، عندما أمسكه والده من يده و أجلسه الى جانبه على دكة باب الدار، وروى له قصة شعب تشرد من بلاده تحت وطأة السلاح الاسرائيلي، وتواطؤ الذخيرة العربية!
يقول صديقنا إنه وقتها، تأثر جدا بالرواية الحزينة، لكن مع طلوع أول نهار عليها نسي حشرجة صوت أبيه، وتذكر أن عليه البدء بتنفيذ الخطة التي كان قد اتفق عليها مع جاره "المحظوظ".
فقام من فوره إلى غرفة الخزين، حيث مرطبانات الخير البلدي الذي كانت تعده والدته مع شقيقاتها كل عام، في قريتهم قبيل عودتهم الى الزرقاء، المربيات والمخللات والزيتون و"اللبنة المكعبلة"، تلك التي فتح غطاءها بكل روية، وتناول ثلاث حبات منها وأغلق الغطاء بسرعة، ولفها في ورقة معدة خصيصا لتلك المهمة، ثم ركض الى خارج البيت قبل أن يكتشف أمره، ليلقى صديقه الذي كان قد سبقه تحت احدى الشجرات، حيث محطة التسليم النهائية، ثلاث كرات من اللبنة البلدية، مقابل ثلاث حبات من الجبن المثلثات!
المضحك أن براءة الأطفال في تلك الأيام لم تكن تلتفت للتفاصيل البدهية، مثل ضرورة جلب رغيف خبز واحد على الأقل، للتمتع بالوجبات المتبادلة. لأنه -أي صديقنا- ختم حكايته الجميلة بأن طعما مختلفا كان ينتج عن اختلاط الطعام، في جلسة تحت الشجرة كانت تطول لساعات، بينما الاهل يبحثون عن السارقين الصغيرين ويتوعدانهما بالضرب حتى ساعة المغيب.
اليوم وأنا أتذكر طفولتي في الكويت، وعزومة الافطار العربية المشتركة، التي كنا نعدها في فرصة المدرسة، حيث الزعتر البلدي والزيت العجلوني والجبنة النابلسية والمقدوس الشامي وشطائرالمربى المصرية واللقيمات الكويتية، والكيكة الطيبة التي ينفع أن تنتسب لأي جنسية عربية، أفتقد كثيرا تلك الخلطة السرية في التعايش المرهون بالحب والوفاق والتوفيق.
اليوم وأنا أرقب ساندويشات أولادي، وهي تعود معهم في حالة يرثى لها من التمزق والتشرذم، ضمن تنفيذ أجندة الاستهتار بقيمة اللمة والجمعة على بساط الهدوء والحكي والاستماع، وتفضيل اللعب بالكرة أو بالألعاب الالكترونية المهربة، لتكون هي قاعدة ذاكرتهم القادمة.
أأسف كثيرا لذكريات ربما تكون جميلة ومضحكة وشقية وملونة وصاخبة، لكنها بالتأكيد ستفقد طعما ساحرا جدا اسمه.. العيش والملح.
اسم الكاتب: حنان كامل الشيخ.
المراجع
alghad.com
التصانيف
صحافة جريدة الغد حنان كامل الشيخ الآداب