هذا على أساس أن كل شيء واضح ونقي وشفاف ولا تشوبه شائبة، تدفع بالعقل الى التوقف قليلا، ذلك لأن الأمور التي تستأهل الأسئلة، والمواقف التي تستدعي الدهشة، والحركات التي تدعو إلى الاستغراب، محرمة جملة وتفصيلا، وإلا سينهار مشروع الوحدة العربية المضيء!

من دون الدخول في تفاصيل قضية التشويش على قنوات الجزيرة "الرياضية"، والتي أخذت حسب رأيي مساحتين زمانية ومكانية، كبيرتين جدا، بالنظر الى كم الأخبار والمعلومات والاشارات والتحليلات، بالاضافة طبعا الى "منح" العبور المجانية للصائدين في الماء العكر، للادلاء بدلوهم وتأجيج مشاعر الكراهية وتعكير صفو المياه، التي "ما صدقنا" وهي تركد!

جعلتني هذه الوقفة التي طالت، أراجع دفتر الأسئلة الكبيرة، والتي وصلت الى درجة التحريم، بالنسبة للمواطن العربي، الذي وصل الى الاقتناع بأن مجرد طرحها، سيزعزع أركان الوحدة العربية، ويصيب الأهداف المشتركة في مقتل! جعلتني كلمة التشويش تلك، أسترجع مذكرات الهزيمة وارتباطاتها المشبوهة بالأداة الاعلامية، التي كيفت نفسها ولغاتها المتجددة مع "الوضع الراهن" و"أرضية الواقع" و"منطلقات المرحلة" و"مخرجات الأزمة".

نحن جيل.. بل أجيال دفنت أسئلتها وصدقت روايات الكبار وإن كانت مشوشة.. مرتبكة.. وكاذبة! نحن أجيال شهدنا على ضياع مشروع الأمة مرة ومرتين وثلاث، لاعتبارات ساذجة التفسير وقاسية الدلالة.

آباؤنا المساكين آمنوا بالشعارات القومية وبطبول الحروب وخطابات "صوت العرب"، وصدقوا أن رحلة إعادة أراض مغتصبة في دولة اسمها فلسطين، لن تطول.. ألم يكن ذلك تشويشا لعب فيه الإعلام لعبة قذرة يستحق عليها الرجم بالحجارة ؟!!

ونحن.. ألم نصدق الكاميرا الوحيدة التي كانت مضاءة بالأحمر طوال فترة الحرب على العراق، وتسلينا بأخبار العلوج وهي تنسحب أرتالا أرتالا من الناصرية والبصرة، حتى انطفأت الكاميرا فجأة، ووجدنا أنفسنا أمام كاميرا "ديجتال" تصور لنا العلوج، وهم يهللون كالهنود الحمر حول تمثال كان في وسط بغداد؟ أوليس هذا تشويشا أخرجه لنا إعلام لئيم وموجه ويعرف تماما ماذا كان يفعل ولمصلحة من؟!!

أسئلة محرم الخوض فيها احتراما لحريات رأي عربية لا تبادل بالضرورة الآخرين نفس الاحترام، بل وتتمادى في استعراض شكوك تدور برأسها وحدها، وأوهام لم ترق لدرجة الحقيقة في غالبية المحاولات.

وبكل الضعف الذي نتناقله جينيا ضمن حمض التعايش السلمي الوراثي، لن أسأل عن التشويش على"أخبار" البلايين التي استحقت مقابل صفقات الأسلحة والطائرات الحربية والاستكشافية ودورات التدريب الملحقة بها، حتى لا أكون مصدر تشويش على خطط التحرير والفتح! لن أسأل عن التشويش الذي خلقه "تبرير" انفصام التعامل مع القضية الفلسطينية، وتحديد الجهة الأكثر مواءمة لتمثيل الشعب الفلسطيني مرة هذا ومرة ذاك، بحسب الجو، لأن مجرد طرح السؤال سيشوش على التحالفات السرية والعلنية!

لن أسأل عن مذكرات محاربي الاعلام القدامى، الذين لعبوا أدوارا مشوشة في حروب العرب ضد اسرائيل، وتجيير تلك المذكرات النقية لرمي المحصنين الغافلين والتشويش على تاريخهم! ولن أسأل بالضرورة عن "تعتيم" دور أعضاء عرب شوشوا على التصويت، لمصلحة حصول ممثلين لدول عربية أخرى على مقاعد دبلوماسية أو علمية أو ثقافية أو حتى فخرية، ما شكل تشويشا على غربيين استغربوا حالة التمزق العربي، التي وصلت الى أروقة المحافل الدولية.

سأغلق علي علامات الاستفهام التافهة، في حضرة كارثة التشويش على مباريات كأس العالم 2010!


المراجع

alghad.com

التصانيف

صحافة   جريدة الغد  حنان كامل الشيخ   الآداب