اعلنت الحكومة بعد تشكيلها أنها ستنجز منظومة أمنية شاملة ذات ابعاد اقتصادية سياسية اجتماعية تتجاوز البعد الأمني الذي تتصدى له الأجهزة الأمنية باقتدار.
وكان ذلك طرحاً مقنعاً يعكس رؤية متطورة لمتطلبات تحقيق الاستقرار وتحصين المجتمع ضد الاختراق الفكري الذي يشكل وقود الإرهاب وبالتالي خطراً حقيقياً على البلد وأمنه.
لكن الوقت حان لترجمة الرؤيا الى برامج عمل محددة تأخذ بعين الاعتبار محددات الانجاز وشروطه اقتصادياً وسياسياً وفكرياً.
فالاقتصاد أولوية وركيزة أساس من ركائز الأمن والاستقرار. لكن الإنجاز فيه مسيرة مرتبطة بإمكانات وظروف داخلية واقليمية ودولية تتذبذب بعشوائية قد تعيق أو تحبط الخطط الاقتصادية. لذلك، فإن خير سبيل في آلية عمل الحكومة الاقتصادية هو التزام ادارة شفافة ومنهجية عمل عادلة تقنع الناس بأن الخير يعم كما الضغوط والصعوبات. حينذاك يقبل الناس تحمل الظروف الصعبة في انتظار التحسن الذي ينعكس ايجاباً على حياتهم.
بيد ان الأمر مختلف في الجانبين السياسي والاجتماعي. طريق الإنجاز أيسر. وشروط النجاح أهمها الإرادة السياسية والتخطيط الواعي الذي ينطلق من الاقرار بخلل الراهن في صياغة سبل المستقبل.
وتستطيع الحكومة أن تقفز خطوات على طريق الدمقرطة التي تشكل أحصن درع في مواجهة اخطار التطرف والعنف والإرهاب. وذلك جهد يبدأ باصلاحات تشريعية تضمن مشاركة شعبية أكبر في صنع القرار وتكرس الحريات والحقوق السياسية تشريعاً يحول دون تجاوز أي جهة عليه. وهذا يفترض أيضاً انهاءً لسياسات الاسترضاء التي انتهجتها الحكومات دهراً فانتجت سلوكيات عامة فاسدة ومفسدة ويتطلب إنفاذاً للقانون حتى لا يعود هناك أحد فوقه.
غير أن ذلك لن ينتج المنظومة الأمنية العصية على الاختراق إذا لم تُنَقّى الثقافة الجمعية من كل ما اخترقها من فكر ضال مضلّل. ساحات عمل الحكومة هنا واضحة. لكن طريقها صعبة وطويلة.
فالجامعات فُرغت من محتواها فآلت إلى حال من الخواء الفكري. صارت غرفاً صفية تلقن لا صروحاً تبني الفكر وتنتج الأدب وتولد الساسة.
أما المدارس فامتلأت بأجهزة حاسوب كثير منها لا يستعمل لينحصر دورها في توفير مواد دعائية عن انجازات لم تنعكس على الطلبة علماً أو معرفة. التربية السياسية معدومة, والتثقيف المجتمعي والفكري غائب.
وستتمكن الحكومة إن بدأت الآن بإصلاح حال الجامعات والمدارس أن توفر في المستقبل القريب للمنظومة الأمنية ركيزتها الأساس: المواطن المستنير المثقف، المحصن ضد الاختراق الفكري، المؤمن بالعمل العام، القادر على حماية البلد ممن يريدون به شراً أو يريدونه مصدراً للمكاسب الخاصة.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  ايمن الصفدي   جريدة الغد