تعرفون ماذا كنت أفعل في مثل هذا اليوم، قبل ثماني سنوات؟ كنت أركض في الشارع الضيق المؤدي الى السرادق الكبير، وأنظم حركة المرور والاصطفاف، وأوصل وجبات المنسف المغلفة وزجاجات الماء لزملائي السائقين، وأسهل مهمة كبار المعزين الذين توافدوا بالمئات، وعلى مدار الساعة، لثلاثة أيام متواصلة، استقبل فيها الباشا معزيه المحترمين والرسميين وغير الرسميين، في مصابه الجلل بوفاة الأخت الكبرى لزوجته وأم أولاده.

المسكينة قضت بسبب "مرض عضال"... ما كنت سأنسى هذه الجملة لكثرة ما قرأتها، عبر إعلانات المشاركة بالعزاء، والتي ملأت الصحف لأسبوع كامل، تكدست فيه صفحات النعي، ورمت على القراء حملها الثقيل!

لن أنسى جنازة أخت زوجة الباشا أبدا أبدا؛ حيث كنت في مقدمة الموكب، أقود السيارة التي تقل الباشا الذي جلس على الكرسي الخلفي، وحده، يتلقى اتصالات كبار القوم، المعتذرين عن عدم المشاركة بسبب السفر.

كنت أسمعه وهو يرد بصوت حزين على مكالماتهم، ويقبل أعذارهم بتفهم وتقدير لانشغالاتهم الخطيرة، بينما كنت أنظر عبر المرآة الى موكب السيارات الذي لم أستطع تحديد نهايته، متحاملا على البروتوكول الذي كان سيوفر على المواطنين العاديين، أزمة مرورية خانقة، لو أنه أتاح للمشيعين، المشاركة في عدد أقل من السيارات!

تعرفون ماذا كنت أفعل قبل عامين؟ كنت أتمشى بين المقاعد الفارغة المترامية، أمسح الطاولات الصغيرة، وأعيد تشغيل اسطوانة القرآن الكريم، في السرادق الذي أقامه الباشا "سابقا"، بعد وفاة والده الذي قضى آخر أيامه في غرفة خصصها له ولده، في الطابق السفلي في البيت الذي خرج به من الدنيا الغرور، الى جانب قلة من الاقارب والأصدقاء الذين يعدون على أصابع اليد الواحدة.

وطبعا بالإضافة الى بعض الشكليات التي لم يتنازل عنها عنادا وعزة للنفس، اضطر إلى دفع مخصصاتها من جيبه الخاص، منها كشك الحراسة ونمرة السيارة ذات الخانة الواحدة ... وأنا!

لن أنسى جنازة والد الباشا أبدا أبدا؛ حيث كنت ضمن موكب صغير ضم ست سيارات، ارتأى المشيعون أن يحشروا أنفسهم فيها، تفاديا لاختلاق أزمة مرورية ربما تزعج الآخرين، يومها جلس الباشا الى جانبي لأول مرة في حياته، فاسحا المقعد الخلفي لأبناء عمومته الثلاثة الذين التهوا في حديث عالي الوتيرة، تناولوا فيه سمعة مسؤول رفيع المستوى!

كنت أختلس النظر الى يدي "معلمي" وهي تقبض على الهاتف الخلوي بشدة، وكأنها تستجديه أن يرن ولو مرة واحدة، أمام أقاربه المتحفزين.

يومها غالبت العين التي لا يجب أن تعلو على الحاجب، وأرسلت الى عينيه نظرة فهم مغزاها. أمسكت هاتفي الخلوي وطلبت رقمه، أمامه، ورميت بالجهاز في جيب الباب، تاركا المجال لبقية من غروره، تؤدي تمثيلية المكالمة المهمة التي ألجمت شماتتهم، مؤقتا...

صحيح أنه لم يشكرني قطّ، فهو لم يعتد على ذلك، لكنني فرحت من قلبي لأجله وهذا حقيقي!

تعرفون ماذا كنت أفعل اليوم؟ كنت أنقل جثمان الباشا من المستشفى الذي قضى فيه وحيدا، الى المقبرة، في حافلة صغيرة مخصصة لنقل الموتى، لم يكن ليتخيل جبروته السابق أنه سيمر حتى الى جانبها يوما... لكن غدر الأيام وعقوق أولاد المناصب، كسرا أسطورة السطوة، ودوام الغلبة...

وأنا هناك، وبينما كنت أقرأ الفاتحة على روحه، رأيت جنازة رجل وحيد آخر، نقلته سيارة إسعاف، وقام متطوعون صالحون بتشييعه إلى مثواه الأخير، سألت عنه باهتمام، فقيل لي إنه قضى منتحرا شنقا بالحبل، بعد أن ترك رسالة الى أولاده، قال فيها إنه كان يشعر بالوحدة ... أيضا!


المراجع

alghad.com

التصانيف

صحافة   جريدة الغد  حنان كامل الشيخ   الآداب   العلوم الاجتماعية