جميعهم غادروا الكويت بعد أن غزته قوات صدام حسين العام 1990. هاجروا الى أميركا. التحقوا بأحسن جامعاتها. عملوا بعد ذلك في أفضل مؤسساتها, محامين, خبراء استثمار, اقتصاديين وماليين.
أصبحت أميركا لهم الوطن الجديد.
بالأمس استمعت, في نيويورك, الى هؤلاء وهم يتحدثون عن تجربتهم في الولايات المتحدة. لاموا واشنطن على سياساتها في المنطقة. انتقدوا تحيزها الكامل لإسرائيل. لكنهم جميعا, عشرة شباب عرب, قالوا إن أميركا أعطتهم أفضل فرصة في حياتهم, عاملتهم على أساس قدراتهم. نجحوا.
 بغصة, استذكر هؤلاء تجارب حزينة في بداية حياتهم. تحسروا على بقاء العالم العربي أسير ثقافة تقدم الواسطة والمحسوبية على الكفاءة. تذمروا من منظومة ثقافية لفظتهم مواطنين من الدرجة الثالثة. معظمهم كان يفضل العيش في عالمه العربي. لكنّ أياً منهم لا يندم على استثمار سني حياته في الولايات المتحدة. كلهم مقتنعون أنهم ما كانوا سيحصلون على فرصة الإنجاز التي أخذوها هنا (في الولايات المتحدة) لو بقوا هناك (في العالم العربي).
 فلن يتطور العالم العربي إلا إذا تقدم باتجاه الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان وبناء المؤسسية التي تعطي كل فرد فرصته, يقول أحدهم. لكن الجميع مقتنع أن ذلك لن يحدث لفترة طويلة.
 بعد أيام سيغادر عدد من هؤلاء الشباب إلى دول الخليج العربي للعمل. غير أنهم سيعودون كمواطنين أميركيين. بعضهم سيمثل مؤسسته الأميركية وآخرون سيعملون في مؤسسات عربية تعاقدت معهم في الولايات المتحدة كأميركيين. سيغامرون, في العودة لأنهم لن يعاملوا هناك كمواطنين عرب. الجنسية الأميركية ضمانة لحقوقهم. وخيار العودة إلى أميركا يمنحهم طمأنينة يقولون إنهم يحتاجونها إذ يعودون, مرحليا, إلى عالم لا يثقون به.
 يعيش مئات الشباب العرب المنجز المتفوق هنا في نيويورك. لا يربطهم بعالم العرب إلاّ حنين لهوية وذكريات عائلية. لكن فجوة الثقة بينهم وبين وطنهم الأم بحجم المحيط الذي يفصلهم عن الشرق العربي. وتلك فجوة أفقدت العالم العربي الكثير من طاقاته. وتلك فجوة لا يبدو أنها ستتقلص في أي وقت قريب.
 في نظر هؤلاء الشباب, الغرب ليس مسؤولا عن كل مشاكل العرب فهم يعتقدون أن العرب يتحملون مسؤولية ما تعيش مجتمعاتهم من أوجاع. وحتى يقرّ العرب بذلك خطوة أولى في البدء لبناء مجتمعات عادلة ومنجزة وديمقراطية لن يعود أي منهم للاستقرار في وطنه الأم. وطوابير المنتظرين على أبواب السفارات الأميركية في العواصم العربية للحصول على تأشيرات دخول تقول بوضوح إن الآلاف سيسيرون على درب هؤلاء. مجتمعاتهم بيئة طاردة ولا تتحمل أميركا مسؤولية يأس هؤلاء من أوطانهم.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  ايمن الصفدي   جريدة الغد