لا أعتقد أن الشمس هي التي يلزم أن "تنكسف" في هذه الأيام المباركة، التي لم يكن ينقصها ظلمة، على الظلام الذي بدأ يتمدد و "يتشمس"، في أنحاء المساحة المتاحة... للمشاهدة فقط، ولا شيء أكثر من المشاهدة!

اسمعوا النكتة التالية: تشهد "سماء الوطن العربي" اليوم، أول كسوف جزئي مرئي للشمس، وبنسبة تصل الى خمسة وخمسين بالمائة، تتساوى فيها القدس وبيروت والجزائر وعمان!

انتهت النكتة...

كنت أتخيل أن خطا ساخنا مفتوحا بين مواطنين "مكسوفين"، من هذه المدن العربية بالذات، يتبادلون عبرها حكاياتهم التي يجيدون التعبير عنها جيدا، بعد أن تطفأ الأنوار، حيث يلوذون بظلمتهم وتوحدهم، إلى عوالم مشرقة مفرحة مملوءة بالأمل... إلى حياة فيها شمس جميلة تشبه التي في رسومات الأطفال، مدورة وحولها خطوط مبعثرة، وأحيانا لها عينان وفم يبتسم!.

كنت أتساءل عن موعد هذا الكسوف، وهو ما بين التاسعة والربع صباحا، والثانية عشرة والربع ظهرا، ان كان سيؤثر، ولو فلكيا، على جداول مواعيد المسؤولين الكبار وأقصد "المسؤولين عنا الكبار"، على نواياهم وأحلامهم وبالمحصلة... قراراتهم!

فمن المعروف علميا أن هذه الساعات، هي أكثر ساعات النهار قوة وطاقة وإشعاعا، وبالتالي فإن أي قرارات أو توجهات مهمة، يستحسن التعامل معها في تلك الفترة. لكن الغريب أن تلك القرارات والتوجهات عادة لا تكون... تحت الشمس!

لا أعرف ان كانت قبب البرلمان أو مكاتب الوزراء أو أسقف المقاهي الفارهة والمطاعم الفاخرة، وبلاطات حمامات الجاكوزي والبخار، تعرف أصلا أنه ليس بعيدا عن النوافذ المغشاة، توجد شمس تشرق كل يوم، على رؤوس بلا ظلال، تسير في خط واحد ذهابا وايابا، فوق أجساد أنهكتها فعلا المحاولة!

أصدقائي من القدس.. الظلام الذي ينتج عن غبار هدم منازلكم منتصف النهار، لن يكون أرحم ولا أخف ولا أقصر من سويعات الكسوف القليلة. لذا أكملوا يومكم في المطاردة ما بين البلدية المتعجرفة على أوجاعكم، والجيران الذين بدأوا بنصب خيامكم، وعدسات الكاميرا المتربصة للحظة تشردكم، وجمعيات حقوقية قائمة على ضياعكم!

أصدقائي في بيروت... خمسة وخسون بالمائة؟ رقم ما كنتم تحلمون بتحقيقه في حوار وطني واحد! إذن فخمسة وخمسون بالمائة من العتمة، لن تزيد على عمى الألوان الضارب في النزاعات والخروقات والتحالفات والتنازلات واللاحوارات والاستمالات والتراجعات... والفقر الذي دمر الأغلبيات!

أصدقائي في الجزائر... في لحظة مظلمة سابقة، صدقتم مرغمين وجائعين، أن الخبز قبل الحب دائما. وأن العمل في الشركات المتعددة "الرغبات"، أحن من قوارب التهريب الى المجهول. وأن الديمقراطية كذبة دبر لها قصور فكري، لم يحظ بشرف حضور حفل تذوق النبيذ، في فندق الأوراسي!

أصدقائي في عمان... كيف حالكم؟!!

أصدقائي في القاهرة وتونس والخرطوم وبغداد والكويت والرياض والرباط وأبو ظبي ودمشق والدوحة وصنعاء ومقديشو والمنامة وجيبوتي ونواكشوط ومسقط وموروني وطرابلس...

كل شمس وأنتم بخير!


المراجع

www.alghad.com

التصانيف

صحافة   جريدة الغد  حنان كامل الشيخ   الآداب