هكذا ببساطة تكشفت الأقنعة الذكية، وانهزم أصحابها أيضا في معركة البقاء أو الرحيل، التي طالتهم قبل أن تطال أسيادهم. المضللون الكاذبون المتواطئون على شعوب صدقتهم، وجاملتهم كثيرا في عروضهم الساخرة، التي كانت تسخر منهم، وتلعب بمشاعرهم، وتهدهد على أوجاعهم، وتمنيهم بحمل أماناتهم على أكتاف أبطال مزيفين، ظهر جليا كم هم مزيفون، وكيف كانت أكتافهم مكشوفة لأختام الدولة الرسمية!.
أقلام فقدت عذريتها على مذبح "معروض للبيع"، واندفعت بخط مستقيم؛ لتلعب على كل الخطوط الموصلة إلى بلاط السلطة. ولو أنها تمهلت وتلفتت حولها قليلا، لشاهدت أن بلاط سلطتها التي تنتمي إليها، لا يقل بريقا ولو لم يكن رخاما!.
إنهم موجودون في كل مكان حولنا. خلعوا رداء الحياء، وتمادوا في التشويه والتضليل والتخوين وانتهاك الشرعيات الوطنية والقومية. في مقابل تجميل فكرة الرضا بالموجود الرابض فوق صدر الوطن، وتسهيل مرور الإيحاء الذي لم يعد إيحاء بل هو تأكيد على أن القادم لا بد أن يكون أسوأ من الحاضر!.
للأسف انهم إعلاميون، للأسف انهم كتاب وصحافيون ومعدو برامج ومذيعون، وثق بهم عامة الناس، وارتضوهم رأس حربة ترد لهم حقوقهم وتصيب الفساد والظلم في مقتل!.
لكنهم وبعد اكتساب شرعية الشعب الطيب، واستحقاق التحدث بلسان حالهم، بعد تنفيذ معارك مفتعلة، لحلقات السلطة الأضعف والتي قدمت كبش فداء، لإبراز الشجاعة الأدبية لتلك الأقلام والأصوات، سارع أصحابها للتواطؤ على كتب التكليف الشعبي، خدمة لمصالحهم الشخصية. ساوموا في ملفات الفساد، بطنوا المكاشفة بالتهديد، خونوا شرفاء المهنة، راوغوا في شكل وحجم الحقوق المنتهكة، اخترعوا تاريخا وحاضرا مشرفا لأسيادهم، وبالغوا... بالغوا كثيرا!.
واليوم بعد أن ثار الحق في مواجهة الباطل، على كافة ألوانه، تراكض هؤلاء إلى أدراج مكاتبهم يحرقون الأخضر واليابس من وثائق البيع، يمزقون كلماتهم وخطبهم المجلجلة، في تمجيد النظام الأعوج، متناسين أن ذاكرة الطيبين، لا تنسى الأسى ولا تسامح في الخيانة!
المصيبة أنه حين ينفض الجمع داخل وحول ميادين التحرير، وتهرب كالعادة رؤوس السلطة الفاسدة، يتكشف عري أذيالهم بفعل الريح، ويتراكض أصحابها لمواراة سوءاتهم، بورق التوت. إنما كل محاولاتهم فاشلة ومخجلة إلى حد يتمنى الواحد فيهم لو أنه يدفن حيا!
قبل يومين تحدى الإعلامي المحترم حافظ الميرازي واحدة من آليات صنع الفكرة والرؤية العربية، القائمة على شرط الانحياز إلى المصالح والارتباطات، تحدى أن تكون قناة العربية بحجم شعار الاستقلالية والحرية الفكرية والحرفية المهنية.
نجح الميرازي في كسب التحدي، وخسرت العربية رهان "أن تعرف أكثر"!.
ربما يقول قائل إن شجاعة هذا الإعلامي المخضرم ما كانت لتظهر قبل الحادي عشر من شباط (فبراير)! أؤكد أنه نعم.. وهذه هي الشجاعة الحقيقية، أن نصاب بعدوى الانتصار ونستفيد من الدرس، قبل فوات الأوان؛ حيث لا ينفع الحياد بين الظلم والعدالة.. بين العتمة والضوء. وهذا الكلام أوجهه لنفسي قبل أي أحد، فميثاق الشرف الصحافي ليس إعلانا مدونا نتفق أو نختلف على بنوده. بل هو قطعة حية قابلة للنبض، حتى من تحت الركام.. قطعة أثيرة أحب أن أسميها.. الضمير.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة   جريدة الغد  حنان كامل الشيخ