تقلب بين قنوات التلفاز، وكأنك تتقلب على جمر النار! تقرر أن تتخلص من إرهاق أيام الثورة المصرية، والتي لم تمنح "فرجتك" فرصة لالتقاط النفس، بعد لقطات "بن علي هرب" و"تحيا تونس الحرة". حينها تفضل أن تريح أعصابك بمتابعة مسلسل مدبلج كنت قد "ضيعت" عشرين حلقة منه. أو فيلم سينمائي مكرر تعتقد أنك سترى بطله الآن بنظرة جديدة، بعد أن شاهدته بأم عينك، وهو يصرخ: ارحل .. ارحل!
لكنك فجأة تشعر بالضيق، وبالاستخفاف بل وبالاحتقار. تبدأ بالتململ من شكل الدراما المقدمة، والحوارات السطحية، والديكورات الأنيقة، والحدائق النظيفة. وتقرر أن تحاسب نفسك على سنوات عمرك التي ضاعت، في المتابعة الحثيثة!
لم تعد تطيق اللهجة المصرية ذاتها، التي اعتدت سماع آهاتها ودموعها.. نكاتها وفوازيرها .. أغانيها وإعلانات "سيراميكها"!
لم تعد تقدر على المشاركة في تنفيذ خطة التضليل المحبوكة، بكل خبث، والتي تمادت في رسم الانحناءات والالتواءات، حتى لا تجد طريقك الى ميدان التحرير!
تميل قليلا الى قنوات الرياضة، علها أخف وطأة على وجع الضمير. فأنت لا تريد الآن، على الأقل الآن، أن ترجع إلى "الكبسات" إياها التي اعتاد إبهامك على الضغط عليها، في الشهرين الفائتين، لكن هيهات!
طرابلس .. بنغازي .. البيضا .. مصراته .. الزاوية.. المرج.. صبراته .. درنه و.. لقد هرمنا من جديد!
ومن دون مزاح أعتقد أن هذا المشهد بالتحديد، أثر في وجدان كل مشاهديه، على كافة أشكالهم ومستوياتهم ومنطلقاتهم وتربيتهم وأصولهم، هزنا جميعا لدرجة أننا إلى الآن، لم نصب بالملل من كف هذا الرجل الحزين، وهي تمسح على رأسه الأشيب، ندما على أيام الخنوع والرضى بالظلم. كلنا بلا استثناء نشتاق لصوته الأجش، وكبرياء دموعه أمام الكاميرا.. كلنا نحبه لأنه.. نحن!
وليس بعيدا عن صاحب التصريح الأقوى، أقول عن نفسي على الأقل، إن خجلا من النوع التراكمي، قد بدأ في غزو روحي وأطرافي؛ لأنني بكل صراحة كنت مغيبة عن المشهد الذي أراه على الهواء مباشرة هذه الأيام. والذي من المؤكد أنه ربيب سنوات عجاف، من التلقي والاستسلام للتلقي!
ليبيا مثلا .. ماذا كنا نعرف عنها؟ ماذا كنا نريد أن نعرف عنها؟ لماذا ارتضينا بأن نحصر بلدا بهذا الاتساع الجغرافي والاقليمي والعشائري والسياسي بشخص واحد؟ لماذا كنا نعتقد أن ليبيا هي معمر ومعمر هو ليبيا؟ أستحلفكم بالله.. كم واحدا فينا كان "لا يعرف" أن الشعب العربي الليبي مدلل ومحظوظ وكسول؟ كم واحدا فينا كان يعتبر أن القذافي هو الممثل الشرعي والوحيد للمزاج الليبي، والخطاب الليبي، والرفاه الليبي؟! وهذا ينطبق تماما على الحكاية اليمنية، التي ما فتئت تراوح مكانها، لسنوات طويلة، في الإدراك العام، بين عنواني "القات" و"الحروب الأهلية".
لقد هرمت مداركنا، ونحن نصدق الرواية الرسمية، تجعدت ملامحنا، ونحن نتهجأ القراءة الحكومية، تصلبت أطرافنا ونحن نتمدد أمام "الشموس" الإعلامية، شاخت أحلامنا ونحن ندفن أصواتنا للحرية. لقد أخطأنا بحقنا كثيرا!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد حنان كامل الشيخ