مريم
{77} أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى { أَفَرَأَيْت الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَفَرَأَيْت } يَا مُحَمَّد { الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا } حَجَجْنَا فَلَمْ يُصَدِّق بِهَا , وَأَنْكَرَ وَعِيدنَا مِنْ أَهْل الْكُفْر { وَقَالَ } وَهُوَ بِاَللَّهِ كَافِر وَبِرَسُولِهِ { لَأُوتَيَنَّ } فِي الْآخِرَة { مَالًا وَوَلَدًا } . وَذَكَرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَات أُنْزِلَتْ فِي الْعَاص بْن وَائِل السَّهْمِيّ أَبِي عَمْرو بْن الْعَاص . ذَكَرَ الرِّوَايَة بِذَلِكَ : 18012 - حَدَّثَنَا أَبُو السَّائِب وَسَعِيد بْن يَحْيَى , قَالَا : ثنا أَبُو مُعَاوِيَة , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ مُسْلِم , عَنْ مَسْرُوق , عَنْ خَبَّاب , قَالَ : كُنْت رَجُلًا قَيْنًا , وَكَانَ لِي عَلَى الْعَاص بْن وَائِل دَيْن , فَأَتَيْته أَتَقَاضَاهُ , فَقَالَ : وَاَللَّه لَا أَقْضِيك حَتَّى تَكْفُر بِمُحَمَّدٍ , فَقُلْت : وَاَللَّه لَا أَكْفُر بِمُحَمَّدٍ حَتَّى تَمُوت ثُمَّ تُبْعَث , قَالَ : فَقَالَ : فَإِذَا أَنَا مِتّ ثُمَّ بُعِثْت كَمَا تَقُول , جِئْتنِي وَلِي مَال وَوَلَد , قَالَ : فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى : { أَفَرَأَيْت الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا أَطَّلَعَ الْغَيْب أَمْ اِتَّخَذَ عِنْد الرَّحْمَن عَهْدًا } . ... إِلَى قَوْله : { وَيَأْتِينَا فَرْدًا } حَدَّثَنِي بِهِ أَبُو السَّائِب , وَقَرَأَ فِي الْحَدِيث : وَوَلَدًا . 18013 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانُوا يَطْلُبُونَ الْعَاص بْن وَائِل السَّهْمِيّ بِدَيْنٍ , فَأَتَوْهُ يَتَقَاضَوْنَهُ , فَقَالَ : أَلَسْتُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّ فِي الْجَنَّة فِضَّة وَذَهَبًا وَحَرِيرًا , وَمِنْ كُلّ الثَّمَرَات ؟ قَالُوا : بَلَى , قَالَ : فَإِنَّ مَوْعِدكُمْ الْآخِرَة , فَوَاَللَّهِ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا , وَلَأُوتَيَنَّ مِثْل كِتَابكُمْ الَّذِي جِئْتُمْ بِهِ , فَضَرَبَ اللَّه مَثَله فِي الْقُرْآن , فَقَالَ : { أَفَرَأَيْت الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا } . ... إِلَى قَوْله { وَيَأْتِينَا فَرْدًا } 18014 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه : { لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا } قَالَ : الْعَاص بْن وَائِل يَقُولهُ . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ . ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 18015 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { أَفَرَأَيْت الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا } فَذُكِرَ لَنَا أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَتَوْا رَجُلًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ يَتَقَاضَوْنَهُ دَيْنًا , فَقَالَ : أَلَيْسَ يَزْعُم صَاحِبكُمْ أَنَّ فِي الْجَنَّة حَرِيرًا وَذَهَبًا ؟ قَالُوا : بَلَى , قَالَ فَمِيعَادكُمْ الْجَنَّة , فَوَاَللَّهِ لَا أُؤْمِن بِكِتَابِكُمْ الَّذِي جِئْتُمْ بِهِ , اِسْتِهْزَاء بِكِتَابِ اللَّه , وَلَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا . يَقُول اللَّه : { أَطَّلَعَ الْغَيْب أَمْ اِتَّخَذَ عِنْد الرَّحْمَن عَهْدًا } ؟ 18016 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيّ , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ أَبِي الضُّحَى , عَنْ مَسْرُوق , قَالَ : قَالَ خَبَّاب بْن الْأَرَتّ : كُنْت قَيْنًا بِمَكَّة , فَكُنْت أَعْمَل لِلْعَاصِ بْن وَائِل , فَاجْتَمَعَتْ لِي عَلَيْهِ دَرَاهِم , فَجِئْت لِأَتَقَاضَاهُ , فَقَالَ لِي : لَا أَقْضِيك حَتَّى تَكْفُر بِمُحَمَّدٍ , قَالَ : قُلْت : لَا أَكْفُر بِمُحَمَّدٍ حَتَّى تَمُوت ثُمَّ تُبْعَث , قَالَ : فَإِذَا بُعِثْت كَانَ لِي مَال وَوَلَد , قَالَ : فَذَكَرْت ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأَنْزَلَ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى : { أَفَرَأَيْت الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا } . ... إِلَى { وَيَأْتِينَا فَرْدًا } وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله { وَوَلَدًا } فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْمَدِينَة وَالْبَصْرَة وَبَعْض أَهْل الْكُوفَة : { وَوَلَدًا } بِفَتْحِ الْوَاو مِنْ الْوَلَد فِي كُلّ الْقُرْآن , غَيْر أَنَّ أَبَا عَمْرو بْن الْعَلَاء خَصَّ الَّتِي فِي سُورَة نُوح بِالضَّمِّ , فَقَرَأَهَا : { مَاله وَوُلْده } . وَأَمَّا عَامَّة قُرَّاء الْكُوفَة غَيْر عَاصِم , فَإِنَّهُمْ قَرَءُوا مِنْ هَذِهِ السُّورَة مِنْ قَوْله { مَالًا وَوَلَدًا } إِلَى آخِر السُّورَة , وَاللَّتَيْنِ فِي الزُّخْرُف , وَاَلَّتِي فِي نُوح , بِالضَّمِّ وَسُكُون اللَّام . وَقَدْ اِخْتَلَفَ أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي مَعْنَى ذَلِكَ إِذَا ضُمَّتْ وَاوه , فَقَالَ بَعْضهمْ : ضَمّهَا وَفَتْحهَا وَاحِد , وَإِنَّمَا هُمَا لُغَتَانِ , مِثْل قَوْلهمْ الْعَدَم وَالْعُدْم , وَالْحَزَن وَالْحُزْن . وَاسْتَشْهَدُوا لِقِيلِهِمْ ذَلِكَ بِقَوْلِ الشَّاعِر : فَلَيْتَ فُلَانًا كَانَ فِي بَطْن أُمّه وَلَيْتَ فُلَانًا كَانَ وُلْد حِمَار وَيَقُول الْحَارِث بْن حِلِّزَة : وَلَقَدْ رَأَيْت مَعَاشِرًا قَدْ ثَمَّرُوا مَالًا وَوُلْدَا وَقَوْل رُؤْبَة : الْحَمْد لِلَّهِ الْعَزِيز فَرْدًا لَمْ يَتَّخِذ مِنْ وُلْد شَيْء وُلْدَا وَتَقُول الْعَرَب فِي مِثْلهَا : وُلْدك مَنْ دَمَّى عَقِبَيْك , قَالَ : وَهَذَا كُلّه وَاحِد , بِمَعْنَى الْوَلَد . وَقَدْ ذُكِرَ لِي أَنَّ قَيْسًا تَجْعَل الْوُلْد جَمْعًا , وَالْوَلَد وَاحِدًا . وَلَعَلَّ الَّذِينَ قَرَءُوا ذَلِكَ بِالضَّمِّ فِيمَا اِخْتَارُوا فِيهِ الضَّمّ , إِنَّمَا قَرَءُوهُ كَذَلِكَ لِيُفَرِّقُوا بَيْن الْجَمْع وَالْوَاحِد . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَاَلَّذِي هُوَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّ الْفَتْح فِي الْوَاو مِنْ الْوَلَد وَالضَّمّ فِيهَا بِمَعْنًى وَاحِد , وَهُمَا لُغَتَانِ , فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئ فَمُصِيب الصَّوَاب , غَيْر أَنَّ الْفَتْح أَشْهَر اللُّغَتَيْنِ فِيهَا . فَالْقِرَاءَة بِهِ أَعْجَب إِلَيَّ لِذَلِكَ .
{78} أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا وَقَوْله : { أَطَّلَعَ الْغَيْب } يَقُول عَزَّ ذِكْره : أَعْلَمَ هَذَا الْقَائِل هَذَا الْقَوْل عِلْم الْغَيْب , فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ فِي الْآخِرَة مَالًا وَوَلَدًا بِاطِّلَاعِهِ عَلَى عِلْم مَا غَابَ عَنْهُ { أَمْ اِتَّخَذَ عِنْد الرَّحْمَن عَهْدًا } يَقُول : أَمْ آمَنَ بِاَللَّهِ وَعَمِلَ بِمَا أَمَرَ بِهِ , وَانْتَهَى عَمَّا نَهَاهُ عَنْهُ , فَكَانَ لَهُ بِذَلِكَ عِنْد اللَّه عَهْدًا أَنْ يُؤْتِيه مَا يَقُول مِنْ الْمَال وَالْوَلَد , كَمَا : 18017 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { أَطَّلَعَ الْغَيْب أَمْ اِتَّخَذَ عِنْد الرَّحْمَن عَهْدًا } بِعَمَلٍ صَالِح قَدَّمَهُ .
{79} كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى { كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُول وَنَمُدّ لَهُ مِنْ الْعَذَاب مَدًّا } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ { كَلَّا } : لَيْسَ الْأَمْر كَذَلِكَ , مَا اِطَّلَعَ الْغَيْب , فَعُلِمَ صِدْق مَا يَقُول , وَحَقِيقَة مَا يُذْكَر , وَلَا اِتَّخَذَ عِنْد الرَّحْمَن عَهْدًا بِالْإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَرَسُوله , وَالْعَمَل بِطَاعَتِهِ , بَلْ كَذَّبَ وَكَفَرَ . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى ذِكْره : { سَنَكْتُبُ مَا يَقُول } : أَيْ سَنَكْتُبُ مَا يَقُول هَذَا الْكَافِر بِرَبِّهِ , الْقَائِل { لَأُوتَيَنَّ } فِي الْآخِرَة { مَالًا وَوَلَدًا وَنَمُدّ لَا مِنْ الْعَذَاب مَدًّا } يَقُول : وَنَزِيدهُ مِنْ الْعَذَاب فِي جَهَنَّم بِقِيلِهِ الْكَذِب وَالْبَاطِل فِي الدُّنْيَا , زِيَادَة عَلَى عَذَابه بِكُفْرِهِ بِاَللَّهِ .
{80} وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا وَقَوْله : { وَنَرِثهُ مَا يَقُول } يَقُول عَزَّ ذِكْره : وَنَسْلُب هَذَا الْقَائِل : لَأُوتَيَنَّ فِي الْآخِرَة مَالًا وَوَلَدًا , مَاله وَوَلَده , وَيَصِير لَنَا مَاله وَوَلَده دُونه , وَيَأْتِينَا هُوَ يَوْم الْقِيَامَة فَرْدًا , وَحْده لَا مَال مَعَهُ وَلَا وَلَد . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18018 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى " ح " ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { وَنَرِثهُ مَا يَقُول } : مَاله وَوَلَده , وَذَلِكَ الَّذِي قَالَ الْعَاص بْن وَائِل . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 18019 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَنَرِثهُ مَا يَقُول وَيَأْتِينَا فَرْدًا } : لَا مَال لَهُ وَلَا وَلَد . 18020 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { وَنَرِثهُ مَا يَقُول } قَالَ : مَا عِنْده , وَهُوَ قَوْله { لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا } وَفِي حَرْف اِبْن مَسْعُود : وَنَرِثهُ مَا عِنْده . 18021 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَنَرِثهُ مَا يَقُول } قَالَ : مَا جَمَعَ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا عَمِلَ فِيهَا . قَالَ : { وَيَأْتِينَا فَرْدًا } قَالَ : فَرْدًا مِنْ ذَلِكَ , لَا يَتْبَعهُ قَلِيل وَلَا كَثِير . 18022 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَنَرِثهُ مَا يَقُول } : نَرِثهُ .
{81} وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاِتَّخَذُوا مِنْ دُون اللَّه آلِهَة لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَاِتَّخَذَ يَا مُحَمَّد هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ مِنْ قَوْمك آلِهَة يَعْبُدُونَهَا مِنْ دُون اللَّه , لِتَكُونَ هَؤُلَاءِ الْآلِهَة لَهُمْ عِزًّا , يَمْنَعُونَهُمْ مِنْ عَذَاب اللَّه , وَيَتَّخِذُونَ عِبَادَتَهُمُوهَا عِنْد اللَّه زُلْفَى .
{82} كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا وَقَوْله : { كَلَّا } يَقُول عَزَّ ذِكْره : لَيْسَ الْأَمْر كَمَا ظَنُّوا وَأَمْلَوْا مِنْ هَذِهِ الْآلِهَة الَّتِي يَعْبُدُونَهَا مِنْ دُون اللَّه , فِي أَنَّهَا تُنْقِذهُمْ مِنْ عَذَاب اللَّه , وَتُنْجِيهِمْ مِنْهُ , وَمِنْ سُوء إِنْ أَرَادَهُ بِهِمْ رَبّهمْ . وَقَوْله : { سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ } يَقُول عَزَّ ذِكْره : وَلَكِنْ سَيَكْفُرُ الْآلِهَة فِي الْآخِرَة بِعِبَادَةِ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ يَوْم الْقِيَامَة إِيَّاهَا , وَكُفْرهمْ بِهَا قِيلهمْ لِرَبِّهِمْ : تَبَرَّأْنَا إِلَيْك مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ , فَجَحَدُوا أَنْ يَكُونُوا عَبَدُوهُمْ أَوْ أَمَرُوهُمْ بِذَلِكَ , وَتَبَرَّءُوا مِنْهُمْ , وَذَلِكَ كُفْرهمْ بِعِبَادَتِهِمْ .
{82} كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا وَأَمَّا قَوْله : { وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا } فَإِنَّ أَهْل التَّأْوِيل اِخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيله , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَتَكُون آلِهَتهمْ عَلَيْهِمْ عَوْنًا , وَقَالُوا : الضِّدّ : الْعَوْن . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18023 - حَدَّثَنَا عَلِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثَنْي مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله { وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا } يَقُول : أَعْوَانًا . 18024 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى " ح " ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا } قَالَ : عَوْنًا عَلَيْهِمْ تُخَاصِمهُمْ وَتُكَذِّبهُمْ . 18025 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد { وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا } قَالَ : أَوْثَانهمْ يَوْم الْقِيَامَة فِي النَّار . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عَنَى بِالضِّدِّ فِي هَذَا الْمَوْضِع : الْقُرَنَاء . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18026 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله { وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا } يَقُول : يَكُونُونَ عَلَيْهِمْ قُرَنَاء . 18027 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا } قُرَنَاء فِي النَّار , يَلْعَن بَعْضهمْ بَعْضًا , وَيَتَبَرَّأ بَعْضهمْ مِنْ بَعْض . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله { ضِدًّا } قَالَ : قُرَنَاء فِي النَّار . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى الضِّدّ هَهُنَا : الْعَدُوّ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18028 - حَدَّثَنَا عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله { وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا } قَالَ : أَعْدَاء . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى الضِّدّ فِي هَذَا الْمَوْضِع : الْبَلَاء . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18029 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا } قَالَ : يَكُونُونَ عَلَيْهِمْ بَلَاء . الضِّدّ : الْبَلَاء , وَالضِّدّ فِي كَلَام الْعَرَب : هُوَ الْخِلَاف , يُقَال : فُلَان يُضَادّ فُلَانًا فِي كَذَا , إِذَا كَانَ يُخَالِفهُ فِي صَنِيعه , فَيُفْسِد مَا أَصْلَحَهُ , وَيُصْلِح مَا أَفْسَدَهُ , وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ مَعْنَاهُ , وَكَانَتْ آلِهَة هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ اللَّه فِي هَذَا الْمَوْضِع يَتَبَرَّءُونَ مِنْهُمْ , وَيَنْتِفُونَ يَوْمئِذٍ , صَارُوا لَهُمْ أَضْدَادًا , فَوُصِفُوا بِذَلِكَ . وَقَدْ اِخْتَلَفَ أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي وَجْه تَوْحِيد الضِّدّ , وَهُوَ صِفَة لِجَمَاعَةٍ . فَكَانَ بَعْض نَحْوِيِّي الْبَصْرَة يَقُول : وَحَد لِأَنَّهُ يَكُون جَمَاعَة , وَوَاحِدًا مِثْل الرَّصَد وَالْأَرْصَاد . قَالَ : وَيَكُون الرَّصَد أَيْضًا لِجَمَاعَةٍ . وَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْكُوفَة وَحَد , لِأَنَّ مَعْنَاهُ عَوْنًا , وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا نُهَيْك كَانَ يَقْرَأ ذَلِكَ , كَمَا : 18030 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن وَاضِح , قَالَ : ثنا عَبْد الْمُؤْمِن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا نُهَيْك الْأَزْدِيّ يَقْرَأ : { كَلَّا سَيَكْفُرُونَ } يَعْنِي الْآلِهَة كُلّهَا أَنَّهُمْ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ .
{83} أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى { أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِين عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزّهُمْ أَزًّا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَلَمْ تَرَ يَا مُحَمَّد أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِين عَلَى أَهْل الْكُفْر بِاَللَّهِ { تَؤُزّهُمْ } يَقُول : تُحَرِّكهُمْ بِالْإِغْوَاءِ وَالْإِضْلَال , فَتُزْعِجهُمْ إِلَى مَعَاصِي اللَّه , وَتُغْرِيهِمْ بِهَا حَتَّى يُوَاقِعُوهَا { أَزًّا } إِزْعَاجًا وَإِغْوَاء . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18031 - حَدَّثَنَا عَلِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثَنْي مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { أَزًّا } يَقُول : تُغْرِيهِمْ إِغْرَاء . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جَرِيح , قَالَ : قَالَ اِبْن عَبَّاس : تَؤُزّ الْكَافِرِينَ إِغْرَاء فِي الشِّرْك : اِمْضِ اِمْضِ فِي هَذَا الْأَمْر , حَتَّى تُوقِعهُمْ فِي النَّار , اِمْضُوا فِي الْغَيّ اِمْضُوا . 18032 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا أَبُو إِدْرِيس , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك , فِي قَوْله { تَؤُرّهُمْ أَزًّا } قَالَ : تُغْرِيهِمْ إِغْرَاء . 18033 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { تَؤُزّهُمْ أَزًّا } قَالَ : تُزْعِجهُمْ إِزْعَاجًا فِي مَعْصِيَة اللَّه . * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا اِبْن عَثْمَة , قَالَ : ثنا سَعِيد بْن بَشِير , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْل اللَّه { تَؤُزّهُمْ أَزًّا } قَالَ : تُزْعِجهُمْ إِلَى مَعَاصِي اللَّه إِزْعَاجًا . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله { تَؤُزّهُمْ أَزًّا } قَالَ تُزْعِجهُمْ إِزْعَاجًا فِي مَعَاصِي اللَّه . 18034 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِين عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزّهُمْ أَزًّا } فَقَرَأَ : { وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْر الرَّحْمَن نُقَيِّض لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِين } 43 36 قَالَ : تَؤُزّهُمْ أَزًّا , قَالَ : تُشْلِيهِمْ إِشْلَاء عَلَى مَعَاصِي اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى , وَتُغْرِيهِمْ عَلَيْهَا , كَمَا يَنْوِي الْإِنْسَان الْآخَر عَلَى الشَّيْء . يُقَال مِنْهُ : أَزَزْت فُلَانًا بِكَذَا , إِذَا أَغْرَيْته بِهِ أَؤُزّهُ أَزًّا وَأَزِيزًا , وَسَمِعْت أَزِيز الْقِدْر : وَهُوَ صَوْت غَلَيَانهَا عَلَى النَّار ; وَمِنْهُ حَدِيث مُطَرِّف عَنْ أَبِيهِ , أَنَّهُ اِنْتَهَى إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُصَلِّي , وَلِجَوْفِهِ أَزِيز كَأَزِيزِ الْمِرْجَل .
{84} فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا وَقَوْله : { فَلَا تَعْجَل عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدّ لَهُمْ عَدًّا } يَقُول عَزَّ ذِكْره : فَلَا تَعْجَل عَلَى هَؤُلَاءِ الْكَافِرِينَ بِطَلَبِ الْعَذَاب لَهُمْ وَالْهَلَاك , يَا مُحَمَّد { إِنَّمَا نَعُدّ لَهُمْ عَدًّا } يَقُول : فَإِنَّمَا نُؤَخِّر إِهْلَاكهمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا , وَنَحْنُ نَعُدّ أَعْمَالهمْ كُلّهَا وَنُحْصِيهَا حَتَّى أَنْفَاسهمْ لِنُجَازِيَهُمْ عَلَى جَمِيعهَا , وَلَمْ نَتْرُك تَعْجِيل هَلَاكهمْ لِخَيْرِ أَرَدْنَاهُ بِهِمْ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18035 - حَدَّثَنَا عَلِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثَنْي مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { إِنَّمَا نَعُدّ لَهُمْ عَدًّا } يَقُول : أَنْفَاسهمْ الَّتِي يَتَنَفَّسُونَ فِي الدُّنْيَا , فَهِيَ مَعْدُودَة كَسِنِّهِمْ وَآجَالهمْ .
{85} يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَوْم نَحْشُر الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَن وَفْدًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : يَوْم نَجْمَع الَّذِينَ اِتَّقُوا فِي الدُّنْيَا فَخَافُوا عِقَابه , فَاجْتَنِبُوا لِذَلِكَ مَعَاصِيه , وَأَدَّوْا فَرَائِضه إِلَى رَبّهمْ { وَفْدًا } يَعْنِي بِالْوَفْدِ : الرُّكْبَان . يُقَال : وَفَدْت عَلَى فُلَان : إِذَا قَدِمْت عَلَيْهِ , وَأَوْفَدَ الْقَوْم وَفْدًا عَلَى أَمِيرهمْ , إِذَا بَعَثُوا قَبْلهمْ بَعْثًا . وَالْوَفْد فِي هَذَا الْمَوْضِع بِمَعْنَى الْجَمْع , وَلَكِنَّهُ وَاحِد , لِأَنَّهُ مَصْدَر وَاحِدهمْ وَافِد , وَقَدْ يُجْمَع الْوَفْد : الْوُفُود , كَمَا قَالَ بَعْض بَنِي حَنِيفَة : إِنِّي لَمُمْتَدِح فَمَا هُوَ صَانِع رَأْس الْوُفُود مُزَاحِم بْن جِسَاس وَقَدْ يَكُون الْوُفُود فِي هَذَا الْمَوْضِع جَمْع وَافِد , كَمَا الْجُلُوس جَمْع جَالِس . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18036 - حَدَّثَنِي زَكَرِيَّا بْن يَحْيَى بْن أَبِي زَائِدَة , قَالَ : ثنا اِبْن فُضَيْل , عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن إِسْحَاق , عَنْ النُّعْمَان بْن سَعْد , عَنْ عَلِيّ , فِي قَوْله : { يَوْم نَحْشُر الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَن وَلَدًا } قَالَ : أَمَا وَاَللَّه مَا يُحْشَر الْوَفْد عَلَى أَرْجُلهمْ , وَلَا يُسَاقُونَ سَوْقًا , وَلَكِنَّهُمْ يُؤْتَوْنَ بِنُوقٍ لَمْ يَرَ الْخَلَائِق مِثْلهَا , عَلَيْهَا رِحَال الذَّهَب , وَأَزِمَّتهَا الزَّبَرْجَد , فَيَرْكَبُونَ عَلَيْهَا حَتَّى يَضْرِبُوا أَبْوَاب الْجَنَّة . 18037 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ , عَنْ شُعْبَة , عَنْ إِسْمَاعِيل , عَنْ رَجُل , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة { يَوْم نَحْشُر الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَن وَفْدًا } قَالَ : عَلَى الْإِبِل . 18038 - حَدَّثَنَا عَلِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { يَوْم نَحْشُر الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَن وَفْدًا } يَقُول : رُكْبَانًا . 18039 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا الْحَكَم بْن بَشِير , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن قَيْس الْمُلَائِيّ , قَالَ : إِنَّ الْمُؤْمِن إِذَا خَرَجَ مِنْ قَبْره اِسْتَقْبَلَهُ أَحْسَن صُورَة , وَأَطْيَبهَا رِيحًا , فَيَقُول : هَلْ تَعْرِفنِي ؟ فَيَقُول : لَا إِلَّا أَنَّ اللَّه طَيَّبَ رِيحك وَحَسَّنَ صُورَتك , فَيَقُول : كَذَلِكَ كُنْت فِي الدُّنْيَا أَنَا عَمَلك الصَّالِح طَالَمَا رَكِبْتُك فِي الدُّنْيَا , فَارْكَبْنِي أَنْتَ الْيَوْم , وَتَلَا : { يَوْم نَحْشُر الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَن وَفْدًا } 18040 - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة { إِلَى الرَّحْمَن وَفْدًا } قَالَ : وَفْدًا إِلَى الْجَنَّة . 18041 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , فِي قَوْله : { يَوْم نَحْشُر الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَن وَفْدًا } قَالَ : عَلَى النَّجَائِب . 18042 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , قَالَ : سَمِعْت سُفْيَان الثَّوْرِيّ يَقُول : { يَوْم نَحْشُر الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَن وَفْدًا } قَالَ : عَلَى الْإِبِل النُّوق .
{86} وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا وَقَوْله : { وَنَسُوق الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّم وِرْدًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَنَسُوق الْكَافِرِينَ بِاَللَّهِ الَّذِينَ أَجْرَمُوا إِلَى جَهَنَّم عِطَاشًا . وَالْوِرْد : مَصْدَر مِنْ قَوْل الْقَائِل : وَرَدْت كَذَا أَرِدهُ وِرْدًا , وَلِذَلِكَ لَمْ يُجْمَع , وَقَدْ وُصِفَ بِهِ الْجَمْع . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذَكَرَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18043 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثني عَبْد اللَّه , قَالَ : ثَنْي مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَنَسُوق الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّم وِرْدًا } يَقُول : عِطَاشًا . 18044 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ , عَنْ شُعْبَة , عَنْ إِسْمَاعِيل , عَنْ رَجُل , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة { وَنَسُوق الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّم وِرْدًا } قَالَ : عِطَاشًا . 18045 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب وَالْفَضْل بْن صَبَاح , قَالَا : ثنا إِسْمَاعِيل بْن عُلَيَّة , عَنْ أَبِي رَجَاء , قَالَ : سَمِعْت الْحَسَن يَقُول فِي قَوْله : { وَنَسُوق الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّم وِرْدًا } قَالَ : عِطَاشًا . * - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ يُونُس , عَنْ الْحَسَن , مِثْله . 18046 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { إِلَى جَهَنَّم وِرْدًا } قَالَ : ظِمَاء إِلَى النَّار . * - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَنَسُوق الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّم وِرْدًا } سُوقُوا إِلَيْهَا وَهُمْ ظِمْء عِطَاش . 18047 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , قَالَ : سَمِعْت سُفْيَان يَقُول فِي قَوْله : { وَنَسُوق الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّم وِرْدًا } قَالَ : عِطَاشًا .
{87} لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَة إِلَّا مَنْ اِتَّخَذَ عِنْد الرَّحْمَن عَهْدًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : لَا يَمْلِك هَؤُلَاءِ الْكَافِرُونَ بِرَبِّهِمْ يَا مُحَمَّد , يَوْم يَحْشُر اللَّه الْمُتَّقِينَ إِلَيْهِ وَفْدًا الشَّفَاعَة , حِين يَشْفَع أَهْل الْإِيمَان بَعْضهمْ لِبَعْضٍ عِنْد اللَّه , فَيَشْفَع بَعْضهمْ لِبَعْضٍ { إِلَّا مَنْ اِتَّخَذَ } مِنْهُمْ { عِنْد الرَّحْمَن } فِي الدُّنْيَا { عَهْدًا } بِالْإِيمَانِ بِهِ , وَتَصْدِيق رَسُوله , وَالْإِقْرَار بِمَا جَاءَ بِهِ , وَالْعَمَل بِمَا أَمَرَ بِهِ . كَمَا : 18048 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { إِلَّا مَنْ اِتَّخَذَ عِنْد الرَّحْمَن عَهْدًا } قَالَ : الْعَهْد : شَهَادَة أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه , وَيَتَبَرَّأ إِلَى اللَّه مِنْ الْحَوْل وَالْقُوَّة وَلَا يَرْجُو إِلَّا اللَّه . 18049 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَوْله : { لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَة إِلَّا مَنْ اِتَّخَذَ عِنْد الرَّحْمَن عَهْدًا } قَالَ : الْمُؤْمِنُونَ يَوْمئِذٍ بَعْضهمْ لِبَعْضٍ شُفَعَاء { إِلَّا مَنْ اِتَّخَذَ عِنْد الرَّحْمَن عَهْدًا } قَالَ : عَمَلًا صَالِحًا . 18050 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَة إِلَّا مَنْ اِتَّخَذَ عِنْد الرَّحْمَن عَهْدًا } : 20 109 أَيْ بِطَاعَتِهِ , وَقَالَ فِي آيَة أُخْرَى : { لَا تَنْفَع الشَّفَاعَة إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَن وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا } لِيَعْلَمُوا أَنَّ اللَّه يَوْم الْقِيَامَة يُشَفِّع الْمُؤْمِنِينَ بَعْضهمْ فِي بَعْض , ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُول : " إِنَّ فِي أُمَّتِي رَجُلًا لَيُدْخِلَن اللَّه بِشَفَاعَتِهِ الْجَنَّة أَكْثَر مِنْ بَنِي تَمِيم " , وَكُنَّا نُحَدِّث أَنَّ " الشَّهِيد يُشَفَّع فِي سَبْعِينَ مِنْ أَهْل بَيْته " . 18051 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , عَنْ أَبِي الْمَلِيح , عَنْ عَوْف بْن مَالِك , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ شَفَاعَتِي لِمَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لَا يُشْرِك بِاَللَّهِ شَيْئًا " . و " مَنْ " فِي قَوْله : { إِلَّا مَنْ } فِي مَوْضِع نَصْب عَلَى الِاسْتِثْنَاء , وَلَا يَكُون خَفْضًا بِضَمِيرِ اللَّام , وَلَكِنْ قَدْ يَكُون نَصْبًا فِي الْكَلَام فِي غَيْر هَذَا الْمَوْضِع , وَذَلِكَ كَقَوْلِ الْقَائِل : أَرَدْت الْمُرُور الْيَوْم إِلَّا الْعَدُوّ , فَإِنِّي لَا أَمُرّ بِهِ , فَيُسْتَثْنَى الْعَدُوّ مِنْ الْمَعْنَى , وَلَيْسَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي قَوْله : { لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَة إِلَّا مَنْ اِتَّخَذَ عِنْد الرَّحْمَن عَهْدًا } لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَام : لَا يَمْلِك هَؤُلَاءِ الْكُفَّار إِلَّا مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ , فَالْمُؤْمِنُونَ لَيْسُوا مِنْ أَعْدَاد الْكَافِرِينَ , وَمَنْ نَصَبَهُ عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ إِلَّا لِمَنْ اِتَّخَذَ عِنْد الرَّحْمَن عَهْدًا , فَإِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَجْعَل قَوْله لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَة لِلْمُتَّقِينَ , فَيَكُون مَعْنَى الْكَلَام حِينَئِذٍ يَوْم نَحْشُر الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَن وَفْدًا , لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَة , إِلَّا مَنْ اِتَّخَذَ عِنْد الرَّحْمَن عَهْدًا . فَيَكُون مَعْنَاهُ عِنْد ذَلِكَ : إِلَّا لِمَنْ اِتَّخَذَ عِنْد الرَّحْمَن عَهْدًا . فَأَمَّا إِذَا جَعَلَ لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَة خَبَرًا عَنْ الْمُجْرِمِينَ , فَإِنَّ " مَنْ " تَكُون حِينَئِذٍ نَصْبًا عَلَى أَنَّهُ اِسْتِثْنَاء مُنْقَطِع , فَيَكُون مَعْنَى الْكَلَام : لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَة , لَكِنْ مَنْ اِتَّخَذَ عِنْد الرَّحْمَن عَهْدًا يَمْلِكهُ .
{88} وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَقَالَ هَؤُلَاءِ الْكَافِرُونَ بِاَللَّهِ { اِتَّخَذَ الرَّحْمَن وَلَدًا لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِلْقَائِلِينَ ذَلِكَ مِنْ خَلْقه : لَقَدْ جِئْتُمْ أَيّهَا النَّاس شَيْئًا عَظِيمًا مِنْ الْقَوْل مُنْكَرًا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18052 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { شَيْئًا إِدًّا } يَقُول : قَوْلًا عَظِيمًا . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس قَوْله : { لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا } يَقُول : لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا عَظِيمًا وَهُوَ الْمُنْكَر مِنْ الْقَوْل . 18053 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله { شَيْئًا إِدًّا } قَالَ : عَظِيمًا . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 18054 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله { شَيْئًا إِدًّا } قَالَ : عَظِيمًا . 18055 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا } قَالَ : جِئْتُمْ شَيْئًا كَبِيرًا مِنْ الْأَمْر حِين دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا .
{89} لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا وَفِي الْإِدّ لُغَات ثَلَاث , يُقَال : لَقَدْ جِئْت شَيْئًا إِدًّا , بِكَسْرِ الْأَلِف , وَأَدًّا بِفَتْحِ الْأَلِف , وَآدًّا بِفَتْحِ الْأَلِف وَمَدّهَا , عَلَى مِثَال مَادّ فَاعِل . وَقَرَأَ قُرَّاء الْأَمْصَار , وَبِهَا نَقْرَأ , وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ أَبِي عَبْد الرَّحْمَن السُّلَمِيّ أَنَّهُ قَرَأَ ذَلِكَ بِفَتْحِ الْأَلِف , وَلَا أَرَى قِرَاءَته كَذَلِكَ لِخِلَافِهَا قِرَاءَة قُرَّاء الْأَمْصَار , وَالْعَرَب تَقُول لِكُلِّ أَمْر عَظِيم : إِدّ , وَإِمْر , وَنُكْر ; وَمِنْهُ قَوْله الرَّاجِز : قَدْ لَقِيَ الْأَعْدَاء مِنِّي نُكْرًا دَاهِيَة دَهْيَاء إِدًّا إِمْرَا وَمِنْهُ قَوْل الْآخَر : فِي لَهَث مِنْهُ وَحَثْل إِدَّا
{90} تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا وَقَوْله : { تَكَاد السَّمَاوَات يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : تَكَاد السَّمَاوَات يَتَشَقَّقْنَ قَطْعًا مِنْ قِيلهمْ : { اِتَّخَذَ الرَّحْمَن وَلَدًا } وَمِنْهُ قِيلَ : فَطَرَ نَابه : إِذَا اِنْشَقَّ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18056 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { تَكَاد السَّمَاوَات يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقّ الْأَرْض وَتَخِرّ الْجِبَال هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا } قَالَ : إِنَّ الشِّرْك فَزِعَتْ مِنْهُ السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَالْجِبَال , وَجَمِيع الْخَلَائِق إِلَّا الثَّقَلَيْنِ , وَكَادَتْ أَنْ تَزُول مِنْهُ لِعَظَمَةِ اللَّه , وَكَمَا لَا يَنْفَع مَعَ الشِّرْك إِحْسَان الْمُشْرِك , كَذَلِكَ نَرْجُو أَنْ يَغْفِر اللَّه ذُنُوب الْمُوَحِّدِينَ . وَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ شَهَادَة أَنْ إِلَه إِلَّا اللَّه , فَمَنْ قَالَهَا عِنْد مَوْته وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّة " قَالُوا : يَا رَسُول اللَّه , فَمَنْ قَالَهَا فِي صِحَّته ؟ قَالَ : " تِلْكَ أَوْجَب وَأَوْجَب " . ثُمَّ قَالَ : " وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ جِيءَ بِالسَّمَاوَاتِ وَالْأَرَضِينَ وَمَا فِيهِنَّ وَمَا بَيْنهنَّ وَمَا تَحْتهنَّ , فَوُضِعْنَ فِي كِفَّة الْمِيزَان , وَوُضِعَتْ شَهَادَة أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه فِي الْكِفَّة الْأُخْرَى , لَرَجَحَتْ بِهِنَّ " . 18057 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنْي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد { تَكَاد السَّمَاوَات يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقّ الْأَرْض وَتَخِرّ الْجِبَال هَدًّا } ذُكِرَ لَنَا أَنَّ كَعْبًا كَانَ يَقُول : غَضِبَتْ الْمَلَائِكَة , وَاسْتَعَرَتْ جَهَنَّم , حِين قَالُوا مَا قَالُوا .
{90} تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا وَقَوْله : { وَتَنْشَقّ الْأَرْض } يَقُول : وَتَكَاد الْأَرْض تَنْشَقّ , فَتَنْصَدِع مِنْ ذَلِكَ { وَتَخِرّ الْجِبَال هَدًّا } يَقُول : وَتَكَاد الْجِبَال يَسْقُط بَعْضهَا عَلَى بَعْض سُقُوطًا . وَالْهَدّ : السُّقُوط , وَهُوَ مَصْدَر هَدَدْت , فَأَنَا أَهُدّ هَدًّا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18058 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَتَخِرّ الْجِبَال هَدًّا } يَقُول : هَدْمًا . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ اِبْن عَبَّاس : { وَتَخِرّ الْجِبَال هَدًّا } قَالَ : الْهَدّ : الِانْقِضَاض . 18059 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَتَخِرّ الْجِبَال هَدًّا } قَالَ : غَضَبًا لِلَّهِ . قَالَ : وَلَقَدْ دَعَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ جَعَلُوا لِلَّهِ هَذَا الَّذِي غَضِبَتْ السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَالْجِبَال مِنْ قَوْلهمْ , لَقَدْ اِسْتَتَابَهُمْ وَدَعَاهُمْ إِلَى التَّوْبَة , فَقَالَ : { لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّه ثَالِث ثَلَاثَة } 5 73 قَالُوا : هُوَ وَصَاحِبَته وَابْنه , جَعَلُوهُمَا إِلَهَيْنِ مَعَهُ { وَمَا مِنْ إِلَه إِلَّا إِلَه وَاحِد } . ... 5 73 إِلَى قَوْله : { وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاَللَّه غَفُور رَحِيم } 5 73
{91} أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَتَكَاد الْجِبَال أَنْ تَخِرّ اِنْقِضَاضًا , لِأَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا . ف " أَنْ " فِي مَوْضِع نَصْب فِي قَوْل بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة , لِاتِّصَالِهَا بِالْفِعْلِ , وَفِي قَوْل غَيْره فِي مَوْضِع خَفْض بِضَمِيرِ الْخَافِض - وَقَدْ بَيَّنَّا الصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ فِي غَيْر مَوْضِع مِنْ كِتَابنَا هَذَا بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع . وَقَالَ : { أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا } يَعْنِي بِقَوْلِهِ : { أَنْ دَعَوْا } : أَنْ جَعَلُوا لَهُ وَلَدًا , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : أَلَا رُبَّ مَنْ تَدْعُو نَصِيحًا وَإِنْ تَغِبْ تَجِدهُ بِغَيْبٍ غَيْر مُنْتَصِح الصَّدْر وَقَالَ اِبْن أَحْمَر : أَهْوَى لَهَا مِشْقَصًا حَشْرًا فَشَبْرَقَهَا وَكُنْت أَدْعُو قَذَاهَا الْإِثْمِد الْقَرِدَا
{92} وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا وَقَوْله : { وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذ وَلَدًا } يَقُول : وَمَا يَصْلُح لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذ وَلَدًا , لِأَنَّهُ لَيْسَ , كَالْخَلْقِ الَّذِينَ تَغْلِبهُمْ الشَّهَوَات , وَتَضْطَرّهُمْ اللَّذَّات إِلَى جِمَاع الْإِنَاث , وَلَا وَلَد يَحْدُث إِلَّا مِنْ أُنْثَى , وَاَللَّه يَتَعَالَى عَنْ أَنْ يَكُون كَخَلْقِهِ , وَذَلِكَ كَقَوْلِ اِبْن أَحْمَر : فِي رَأْس خَلْقَاء مِنْ عَنْقَاء مُشْرِفَة مَا يَنْبَغِي دُونهَا سَهْل وَلَا جَبَل يَعْنِي : لَا يَصْلُح وَلَا يَكُون .
{93} إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا { إِنْ كُلّ مَنْ فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض إِلَّا آتِي الرَّحْمَن عَبْدًا } يَقُول : مَا جَمِيع مِنْ فِي السَّمَاوَات مِنْ الْمَلَائِكَة , وَفِي الْأَرْض مِنْ الْبَشَر وَالْإِنْس وَالْجِنّ { إِلَّا آتِي الرَّحْمَن عَبْدًا } يَقُول : إِلَّا يَأْتِي رَبّه يَوْم الْقِيَامَة عَبْدًا لَهُ , ذَلِيلًا خَاضِعًا , مُقِرًّا لَهُ بِالْعُبُودِيَّةِ , لَا نَسَب بَيْنه وَبَيْنه . وَقَوْله : { آتِي الرَّحْمَن } إِنَّمَا هُوَ فَاعِل مِنْ أَتَيْته , فَأَنَا آتِيه .
{94} لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : لَقَدْ أَحْصَى الرَّحْمَن خَلْقه كُلّهمْ , وَعَدَّهُمْ عَدًّا , فَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ مَبْلَغ جَمِيعهمْ , وَعَرَفَ عَدَدهمْ , فَلَا يَعْزُب عَنْهُ مِنْهُمْ أَحَد .
{95} وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا { وَكُلّهمْ آتِيه يَوْم الْقِيَامَة فَرْدًا } يَقُول : وَجَمِيع خَلْقه سَوْفَ يُرَدّ عَلَيْهِ يَوْم تَقُوم السَّاعَة وَحِيدًا لَا نَاصِر لَهُ مِنْ اللَّه , وَلَا دَافِع عَنْهُ , فَيَقْضِي اللَّه فِيهِ مَا هُوَ قَاضٍ , وَيَصْنَع بِهِ مَا هُوَ صَانِع .
المراجع
موسوعه الاسلام
التصانيف
تصنيف :تفسير القران الكريم