مرة أخرى, أثبت الأردنيون نضوجاً سياسياً ومجتمعياً يدحض كل المبررات التي يسوقها دعاة الوصايا على مجتمع يزخر بالجامعات, وتضاهي نسبة التعليم فيه تلك التي حققتها أكثر الدول تقدماً.
تجرع المواطنون قرار رفع أسعار المحروقات رغم عمق الوجع الذي سيسببه لأكثريتهم.
ولم تسجل في المملكة حالة رد فعل واحدة غير مسؤولة. تذمر الناس, تحدثوا عن قسوة آثار القرار.
لكن كل ذلك تم في أطر حضارية قانونية اقتصرت على حوارات المجالس. ولم ينعكس التذمر على المجتمع في أمنه.
لم يتوقف العمل. سارت الحياة على طبيعتها. ذلك موقف يستحق التوقف عنده بعمق. وتلك حالة تستوجب إعادة النظر في القول الرسمي تجاه الناس وفي آلية التعامل معهم.
فنضوج المجتمع يجب أن يقابله نضوج مماثل في مؤسسات الدولة. وأول شواهد هذا النضوج يجب أن يكون وأداً لعقلية الوصاية التي ما تزال مرجعية المؤسسة الحكومية.
لا بد من أن يشرع حق الناس في معرفة كيفية إدارة شؤونهم في ذات الوقت الذي تقونن فيه آليات مساءلة من أنيطت بهم المسؤولية لخدمة الناس لا للتعالي عليهم.
نتيجة مثل هكذا توجه ستكون بناء الثقة بين المواطنين وبين المؤسسات الرسمية.
وفي مجتمع يثق الناس بسيادة القانون فيه, ويرتاحون إلى وجود أدوات رقابة فاعلة على من يديرون شؤونهم, يكون الحوار العقلاني سبيل التعامل مع أي قرار مهما كان صعباً ومهما كانت آثاره موجعة. وكما تطلب الحكومة ثقة المواطنين, يستحق المواطن ثقة الحكومة.
ومجتمع يسير نحو تجذير القيم الديمقراطية يجب أن يتمكن سبل الاعتراض السلمي على السياسات العامة إن اختلف معها. لكن تعايش الحكومة مع تعابير عامة على الاختلاف معها أو مع قراراتها يتطلب أيضاً نضوجاً رسمياً لن يكون لشعارات الدمقرطة معنىً إن لم تحققه.
وربما تكون هذه الدلالة الأهم لرد الفعل العقلاني على قرار رفع أسعار المحروقات.
الشعب أرسل رسالته بوضوح. وعلى الحكومة أن تقرأها باحترام يترجم شفافية أكثر وعملاً أنجع ولفظاً للخطاب الفوقي الذي استعمله دون سواه الكثيرون ممن يلبسون أقنعة الحداثة والديمقراطية.
تفهّم الناس حاجة الحكومة لرفع أسعار المحروقات. وعلى الحكومة أن تتفهم حاجة الناس لمنهج حكم يحترمهم وحقوقهم, ويثق بحضاريتهم.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  ايمن الصفدي   جريدة الغد