تعرفون الولد بارد الوجه، الذي لا ينفك يزيح رأس أمه إليه، وهي المشغولة بالحديث أو الاستماع لمصدر آخر غيره؟ تعرفون عناده وإصراره المزعجين، واللذين يتحولان في أقل من لحظة، إلى صراخ وبكاء مريرين؟، تعرفون طبعا أن محاولاته كلها تنجح في نهاية الأمر، ليستقر على كسب اهتمامها لنكتة سخيفة ينسى بدايتها، أو لحكاية مختلقة ألفها خياله، وتتحدث عن بطولة مزعومة!
تعرفون هذا الولد؟ أريد واحدا مثله حالا!
أريد يده تشيح برأسي عن مشاهد حقيقية، وتلهيني بسخافات الحياة الرائعة. أريد أن أسمع نكتة سمجة غير تلك التي أستمع إليها على رأس كل ساعة، يرويها كتاب صحافيون وإعلاميون ومثقفون عرب، عن بلادهم التي تتعرض للمؤامرة والدسائس الخارجية، وعن شطارة مخرجي الأخبار والمعدين ومتخصصي الجرافكس، في إظهار صور كاذبة وملفقة عن مدنهم الساحرة وحدائقهم الغنّاء وسلامهم مع أنفسهم ومع حكامهم!
أريد كفه تنشلني من مشاهد الرعب، رعب ضياع الثورة على أيدي لصوص بقوا على قيد الحرية، وانسلوا كما الملح من بين أصابع الثوار، ليلهبوا فتحات الجروح القديمة وينجحوا.. ينجحوا للأسف في خلط الأوراق وإعادة عقارب ساعات الظلام والتوتر والاختلاف إلى الوراء.
أريده أن يروي لي قصة مختلقة يرسمها خيال مبتدئ، إنما أكيد ستكون أوقع وأكثر إقناعا من مشاهد لطرف بن لادن، وهو ممسك بالريموت كنترول، يقلب لقطات تظهره، وهو يتجول بين الجبال!
أريده أن يقنعني أن هدف "بيدرو" في مرمى ريال مدريد كان تسللا، حتى لا يكون وعيي جاهزا للاقتناع أن أربع أمهات في بانياس، لم يركضن خلف صغارهن، خوفا عليهم من دبابات الجيش. حتى لا أقتنع أنهن يستحققن الرمي بالرصاص من الخلف، لأنهن يشكلن خطرا على الأمة!
أريد الولد "الزنخ" إياه، ليدير رأسي بأكمله عن وطني، الذي قرر أن يمشي ببطء شديد نحو أي شيء. وطني الذي استسلم لمطر أيار مشدوها بربيع الأرض، مختالا بزهر الحنون ونوار اللوز، متجاوزا بكل غرور ربيع القلب، الذي انطفأ هو الآخر، ضمن حملة ترشيد الطاقة!
أريد أن أحلم أن بلادي بخير، ونحن بخير وجيراننا بخير، وتونس بخير ومصر بخير، والمصالحة ستكون بخير. أريد أن أصدق أن أشخاصا من لحم ودم سيحاكمون بتهمة الفساد. أريد أن أستمع إليه وهو يحدثني عن البدائل، التي فكرت بها الحكومات، في مواجهة غياب الغاز المصري يوما ما. أريده أن يطمئنني أن قصة رفع البنزين بالون اختبار، وأن الكهرباء لن تنقطع، والمياه لن تتلوث، والحرية لن تحاكم غيابيا!
تعرفون هؤلاء الأولاد؟ كان ولداي اثنين منهم، لكم أفتقد عنادهما في أيام كنت أعتقد أنها ليست وردية. لكنني اليوم أتوق لأصابعهما الصغيرة، تمسك بخدي وتديره إلى حكايات ولا أسخف... ولا أجمل.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد حنان كامل الشيخ