ما أن ُتمضي أي حكومة أشهراً في المسؤولية حتى يبدأ الحديث عن انجازاتها وقدراتها, نجاحاتها وفشلها. وذلك أمر طبيعي. فللناس حق تقويم اداء حكومتهم. لكن بعض الخلل يكمن في آليات التقويم واهدافه ومنهجياته.
البريء في هذه العملية هم المواطنون العاديون. هؤلاء ينتقدون من وجع, ويطالبون بالمزيد من الانجاز من أمل. وفي العادة يكون هؤلاء اكثر المقومين انصافاً وتكون انتقاداتهم الأكثر قبولاً لأنها نقية من الأجندات والأطماع التي تشكل منطلقات بعض طبقات مسيسة, أو أخرى مواقفها مرتبطة بمدى خنوع السلطة التنفيذية لابتزازاتها.
ولاتساع شبكات محترفي السياسة أو مدعيها وحضورهم في السجال العام يتأثر الناس بأقوالهم, حتى لو لم تكن منبثقة من مواقف معارضة تُحترم أو قناعات مبنية على أسس.
ومعضلة تقويم أداء الحكومات مرتبطة إلى درجة كبيرة بمنهجيات تشكيلها. فرئيس الوزراء أياً كان يشكل الحكومة على أساس قدراته الشخصية ويضطر الى اعلان الحكومة في وقت قصير يفرض قرارات سريعة. وتتشكل الحكومات عموما من افراد لا رابط بينهم سوى الثقة بقدراتهم الفردية والتقاءات, احيانا, على توجهات ورؤى واسعة.
ذلك يعني أن الحكومات تبدأ عملها من دون وجود برامج. وهذا مرده عدم وجود احزاب سياسية تتولى السلطة التنفيذية لتحقيق رؤى وبرامج تكون طورتها من خلال مؤسسات الحزب. وبالتالي, تستنفد الحكومة الشهور الأولى من عملها في بناء التناسق المطلوب بين اعضائها وتطوير الالمام الضروري بقضايا الدولة المتعددة.
والصحيح أن أي رئيس غير مدعوم برؤية حزبية ولا يرأس فريقا تجمعه معه رؤية وبرامج لا تتطور، إلا من خلال العمل الحزبي، سيحتاج إلى أشهر طويلة ليبلور موقف حكومته من الكثير من القضايا, خصوصاً في ضوء استهلاك معظم وقت الحكومة في ادارة الشؤون اليومية.
النتيجة ان مطالبات الحكومة بتحقيق نتائج تنعكس على الواقع عملاً ملموساً تبدأ قبل أن تحقق الحكومة التجانس المطلوب في عملها وقبل أن يصل رئيس الوزراء الى الدرجة المطلوبة من الإلمام بعديد القضايا التي عليه أن يتعامل معها.
ذلك يوفر فرصة ثمينة لمن يتربص للانقضاض على موقع الرئاسة ولمن يريدون ابتزاز الحكومة. وبين تقاويم يهدف اصحابها منها الى تحقيق الحضور الاعلامي وامتلاك ادعائية المعرفة, وبين انتقادات من منافسين, وضغط شعبي مفهوم لانجاز سريع, ومعارضة مشروعة من قوى سياسية ومدنية, لا تلبث أي حكومة ان تلتقط انفاسها من مرحلة التشكيل حتى تجد نفسها تحت وابل من القصف الذي تتغلغل تداعياته عند الناس.
قصر عمر الحكومات معضلة كبيرة. وعدم وجود احزاب تشكل منها الحكومات معضلة أكبر. أما ثقافة التصيد والابتزاز الكامنة وراء اقنعة الليبرالية والعصرنة والحداثة فتلك مشكلة عويصة تقع مسؤولية تجذرها في المجتمع على عاتق المؤسسة الرسمية التي اعتمدت الاسترضاء والرعوية منهج عمل أو رضخت لابتزاز حفنة احترفت الخطاب المزدوج وامتهنت ارتداء الأقنعة.
لن تنضج مؤسسة الحكومة إلا إذا نضجت أدوات تشكيلها في اطار عملية تؤدي إلى انتاج ثقافة سياسية ناضجة تتحمل الحكومة مسؤولية إيجاد شروط نموها.
الى حينذاك, لا تملك أي حكومة إلا التعامل مع اختلالات البيئة التي تعمل فيها. وتكسب كثيراً الحكومة التي ترتكز في عملها إلى آليات ديمقراطية شفافة تضمن العدالة وتحد من التجاوزات على القانون وعلى حقوق الناس. أداء يرتكز إلى منهجيات عمل تكرس العدالة يغفر تأخر الإنجاز. فالناس إن أحست بالعدالة تحملت الوجع وعضت على الجرح.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة ايمن الصفدي جريدة الغد