اتكأت السيدة الوقور على الحائط المقابل لقاعة المحكمة، التي ستنظر في قضيتها بعد قليل. حاول أحد المراجعين إجلاسها مكانه، على المساحة الضيقة التي سنحت له بين رجل وسيدة أخرى، لكنها رفضت بأدب متعللة بعدم الشعور بالتعب. كانت تكذب طبعا!
نظرت إلى سيدة متشحة بالسواد، تعصر بين أصابعها بقايا منديل ورقي لم يكفكف دموعها التي استوطنت خديها، تحاول منع طفلها الصغير من الركض بعيدا عن الرواق الطويل.
كان الصغير يشبه ابنها كثيرا في سماره وشقاوته، قبل أن يشب طويلا وعريضا وجميلا ورياضيا ومتفوقا في دراسته، ثم ناجحا في شغله ومحط إعجاب الأسر والصبايا، ثم رجلا متزوجا وأبا لطفلتين رائعتين و.. جاحدا!
عادت بها الذاكرة إلى الوراء، ورأت نفسها تقف أمام سبورة الصف، وبيدها كتاب، تقرأ منه بصوت عال: "ولا تقل لهما أف ولا تنهرهما"، من يشرح لي هذه الآية؟. كان إصبع الصغير يسابق باقي الأصابع، وكان يحاول أن يقفز من مكانه حتى تنتبه له، وتمنحه فرصة للإجابة، لكنها كانت تتجاوزه عمدا، لتسمع من آخرين. لكنه في ذلك اليوم كان يمتلك إصرارا عجيبا على المحاولة الحثيثة، فاضطرت أن توقف إزعاجه مؤقتا. وقف الصغير النظيف والمرتب أمام عينيها مباشرة وقال لها يومها وبالصوت الحاد: "أنا عمري ما قلتلك أف يا ماما "! ضحك الأولاد وابتسمت هي، وعادت تسأل من جديد...
عملت هذه السيدة مدرسة لمادة اللغة العربية للصفوف الأساسية، لخمسة وعشرين عاما سرقت منها شبابها وعنفوانها وصوتها ولياقتها وحقها في اختبار حياة جديدة، بعد موت زوجها، وتحملها لمسؤولية طفل لم يتجاوز عمره العامين. رفضت كل فرص الحياة المتاحة، وتقبلت نصيبها بإيمان مطلق وعزم شديد على تربية ابنها الوحيد، وتنشئته على الأخلاق الطيبة. دللته كثيرا ولم تحرمه أي طلب كان يؤشر عليه، ظنا منها أنها تعوضه بحنانها المفرط ومالها الذي تبعثر على مطالبه التي لم تتوقف، من غياب أبيه القصري. اعتبرت أنها الأب والأم في آن، ولم تسمع نصائح المخلصين أنها وبانصياعها التام لأوامره، إنما تبعده عنها وتفقده إلى الأبد. حتى عندما تنازلت له عن مكافأة نهاية الخدمة، ليبدأ مشروعه الخاص، لم تستمع للنصيحة!
وها هي اليوم تتأبط ذراع المحامية الشابة، التي أقنعتها بضرورة رفع قضية نفقة عليه، بعد أن بالغ في اهماله لها، لدرجة أن الدواء الذي كان يرسله مع بنتيه إليها، انقطع هو الآخر.
بالنسبة لها كان مهما أن تقف أمامه بطولها الذي احناه الدهر لتقول له: أف!
لم تنته القصة بعد، وربما لن تنتهي. إنما حين قرأت خبرا أعدته الزميلة رانيا الصرايرة عن أمهات وآباء يرفعون قضايا نفقة على أولادهم، لم يدهشني الرقم، بقدر ما آلمني أن يتفق ثلاثة وأكثر تحت هذه السماء، على الإساءة إلى خريف عمر ضاع من أجل ربيع أعمارهم هم .. يا للخسارة!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد حنان كامل الشيخ