لست معنية بالإجراءات الحكومية أو الرسمية الوطنية منها أو العربية، تجاه الشقيقة الصومال؛ لأن قصص موت متكرر وعلى مختلف الأشكال والألوان تجري كتابتها على صفحات بيوت أشقاء آخرين، ولا معقب واحد!
لكن ما يجري في الصومال من انتهاك للإنسانية، وعلى مرأى ومسمع المجتمع الدولي، يدعونا للتفكر قليلا في أدائنا وأدواتنا التي نعبر بها عن انتمائنا للمجتمع الانساني ككل.
فعلى الصعيد المحلي جدا، ونحن مواطنون في دولة تعد الرابعة عربيا على خط الغلاء المعيشي، نسمع ونشاهد في هذه الأيام عن دعوات تقيمها مؤسسات وشركات وبنوك وهيئات لموظفيها وعملائها، في فنادق كبيرة ومطاعم فارهة، تكلف على الأقل الواحدة منها عشرة آلاف دينار في المتوسط. وبحساب سريع جدا يمكن التنبؤ أن العشرة آلاف هذه كانت ستنقذ عشرة آلاف صومالي مهدد، ليس بالنوم بلا عشاء، بل بالموت من الجوع!
ما الفائدة المرجوة فعلا من دعوة تلك الشركات لموظفين كبار وعملاء مهمين، قادرين جدا ومرتاحين كثيرا، لدرجة أنك ترى أطباقهم الممتلئة عن آخرها في تلك الأماكن، وهي بالكاد قد مست! وكثيرون منهم يتذمرون من الأزمة على طابور البوفيهات، ومن التعب الذي يغالبونه بسبب عدم الارتياح في تناول وجبات الفطور خارج منازلهم.
حرام هذه النقود التي تذهب هباء، فقط للإعلان في مجلات ملونة أننا والله أقمنا دعوات إفطار رمضانية لموظفين غير راضين "غالبا" على قرارات إداراتهم!
وقد يقول قائل إننا أولى من الغريب، وان تلك النقود المهدورة كانت ستكفي لإقامة موائد رحمن لفقراء أردنيين لا يجدون في كثير من الأوقات أكثر من كأس الماء ليفطروا عليه، الى حين وقت اخراج أكياس القمامة على أبواب البيوت! وأنا شخصيا أتفق مع هذا القول، ولكن الصور المتلاحقة والموجعة بحق لأشقائنا الصوماليين بأطفالهم وعجائزهم المرميين على الأرض، تعصر الفؤاد وتسد النفس وتدفعنا للتفكير.
ثم إن ما نفعله نحن، على مستوى العائلات ليس بأحسن حالا. يكفي أننا ارتضينا الدخول في دوامات الدعوات العائلية التي تدور دائرتها على نفس الأشخاص والوجوه، فترى أسرا مكونة من أشقاء وأنسباء وأصهار يدورون بين بيوتات بعضهم بعضا على مدار الشهر، ينفقون أموالا ليست بسيطة على أنفسهم، فقط على سبيل المجاملة! حتى إن بعضهم ربما لا يكون على نفس المستوى المادي الذي يسمح له بالتعاطي مع هذه "الحفلة"، لكنه يضطر الى الاستدانة والاقتطاع من مصروف العيد والمدارس مثلا، حتى يبيض وجهه أمام الوجوه ذاتها!
والسؤال هو ما الحكمة من هذه العادات ان كانت قد ابتعدت عن هدفها الأساسي وهو صلة الأرحام، التي لم تفرض علينا كمسلمين، الا لاتباع طريق الرحمة وليس القسوة على أنفسنا بهذا الشكل؟ ثم وإن كانت تكلفة هذه الدعوات زائدة على الحاجة، ألم يكن من الأولى توجيهها في الاتجاه الصحيح؟ وهنا أعود لإخوتنا الذين لا يفطرون الا على كأس ماء.
انها فكرة تدعو لفكرة... أعيدوا النظر في دعوات المجاملة، وأقيموا العدل في توزيع أرغفة عيشكم لمن يستحقها فعلا!
المراجع
alghad.com
التصانيف
صحافة جريدة الغد حنان كامل الشيخ