كانت إجازتنا الصيفية الى الأردن، لا تكتمل بالنسبة لنا، بدون قضاء أيام في مصايف الشام. وما أزال حتى اليوم أذكر رائحة العجين الساخن المنبعثة من أفران المعجنات المترامية هنا وهناك، والتي كانت تستقبل حواسي الصغيرة، كلما عبرنا حدود الرمثا الى سورية.
ليست وحدها فقط التي بدأت تعيدني الى الطفلة الجالسة على طرف شباك السيارة، بل هي كلمات لم أتمكن من قراءتها كاملة، بينما والدي يعبر الطرقات مسرعا الى وجهته. كلمات تشكل جملة واحدة، تتكرر باستفزاز يغيظ طفلة، لا تقدر على اللحاق بالمفردات، أحاول تجميعها مثل لعبة القطع المتناثرة، لأعرف ما تقول هذه اللوحات المصرة على رشق عبارتها الوحيدة على جانبي الطريق، وكأنها بذر أقحوان يتفتح بقليل من المطر.
أمة عربية..
الصبي الذي لقي حتفه قبل يومين في دير الزور، لم يفعل شيئا سوى أنه لم يقبل المضي في مسيرة المؤازرة المليونية التي جر اليها الموظفون وطلاب المدارس والجامعات، لإظهار تمسكهم بقيادتهم الحكيمة، ورفضهم لأي قرارات تصدر عن جامعة الدول العربية، التي لم يعودوا يحتاجون اليها بعد الآن، بعد أن سيطرت "قطر والسعودية والكويت وتونس والأردن والسودان وبعض دول أخرى لا يكمل عددها أصابع اليد"، على القرار العربي!
أمة عربية واحدة..
لم يعد مفهوما أبدا هذا العرض السريالي الذي يؤديه نظام الحكم في سورية! كيف لنا أن نستوعب أن ساعات فقط تفصلنا عن مهلة تنفيذ المبادرة العربية على أرض الواقع، وعداد قتلى المحافظات والقرى يركض الى الأمام، فيما لم يفرج عن معتقل واحد، ولم تتزحزح آلية جيش عن موقعها. وفوق هذا يستغرب النظام عزلته التي بدأ يتحسس اتساع رقعتها خارج ميدان السبع بحرات في دمشق!
يقولون إنهم وافقوا على المبادرة بدون قيد أو شرط. طيب! ثم، لماذا لا نرى دباباتكم وهي تعود الى حيث يجب أن تكون؟ لماذا استمرار القتل المتعمد في جنازات قتلى سابقين؟ لماذا شبيحتكم يسرحون في الشوارع وهم يجرون جثث الصبايا والأطفال على الطريق؟ لماذا تعتقلون؟ لماذا تهددون؟ لماذا ترعبون؟ لماذا لم تستوعبوا الدرس الذي لم يجف دمه بعد؟ الى أين تذهبون بنا جميعا؟ وبعد كل ذلك تدعون الى قمة؟ وفي دمشق؟ بينما قرار الجامعة العربية لا يساوي عندكم الحبر الذي كتب به؟ يا مثبت العقل والدين!
أمة عربية واحدة، ذات..
في حربها الصحراوية على العراق، عمدت قوى التحالف الغربية إلى تصدر دبابات وجيوش عربية واجهة المشهد، لإخراج فيلم الفتح الكبير وكأنه عمل أممي عادل، وبمباركة عربية كاملة، استدعت القوانين كافة والتفت على كل الاعتبارات والتجأت الى التاريخ والدين وسيرة الأولين، لتبرير قتل عربي على يد عربي خرج هو الآخر، من رحم العبارة نفسها، وبدأ بتحقيق الوحدة "بطريقته الخاصة". أذكر أن الجيش العربي السوري وقتها نفذ قرارات الجامعة بإخلاص عز نظيره، منطلقا من احترامه وخضوعه الكاملين لأوامر الأمة العربية!
أمة عربية واحدة، ذات.. ذات.. ذات... ليتني أتذكر، لكنها كانت طويلة جدا، والسيارة كانت مسرعة!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة   جريدة الغد  حنان كامل الشيخ