كيف تتناقل وسائل الإعلام خبرا مفاده أن القيادة السياسية في سورية، تتجاهل مهلة أخيرة منحتها لها الجامعة العربية، والتي بدأت السبت الفائت إلى نهاية يوم الأحد؟
خطأ مهني تقع فيه وسائل الإعلام تلك، وهي تنقل في ذات الوقت أن ما يقارب الثلاثة والخمسين شخصا تم قتلهم على أيدي قوات الجيش والشبيحة، في نفس مدة المهلة. وتعتبرون هذا تجاهلا؟!
ثم تتجاسر هذه القيادة العظيمة على التلميح بأنها تطلب مهلة "أخيرة أخيرة"، لأنها بحاجة لبعض الإيضاحات والمزيد من التعديلات على البروتوكول الهادف إلى نشر المراقبين العرب والأجانب!!
يبدو جليا أن الأشقاء السوريين سعيدون جدا بلعبة المهل العربية تلك، والتي تؤمن لهم غطاء سياسيا وقانونيا، ليسرحوا ويمرحوا "كما هو واضح في مشاهد اليوتيوب العجيبة"، هذا من ناحية. ومن ناحية ثانية هم بحاجة لتلك الفرصة الزمنية، حتى يحضروا للعالم وأولهم للأمة العربية، حقائق مثبتة بالصوت والصورة، تشهد على وجود المندسين والمأجورين والمسلحين والمدفوعين، كما حصل في المؤتمر الأخير لوليد المعلم، والذي استهزأ من محطات إخبارية، لم تنقل عنه شريطه الشهير. والله لو كنت مكانه لدفنت نفسي بالحياة، هربا من "سواد الوجه "الذي لحق بي!
إذا امنحوهم مهلة وراء المهلة، لأنهم بهذه الوسيلة لن يقطعوا كل أسبابهم بقنوات الجامعة العربية. بل يبقى الخيط الرفيع يلتوي، ليلتف حول رقاب العرب الخجولين من فكرة طرد دولة مجرمة، تعيث فسادا في الأرواح والأملاك والأعراض، فقط لأنهم يستحون من فكرة أنهم أشقاء عرب، والتاريخ لن يسامحهم على النبذ وفقر النصيحة!
امنحوهم مهلة أخرى، فهم بحاجة لوقت يستلمون فيه القرار، ووقت آخر يفتحون فيه الظرف الذي يحوي القرار، ووقت يقرأون فيه القرار، ووقت ليسرحوا في القرار، ووقت للاستراحة .. ثم يعودون ليقرأوا القرار من جديد، ويسرحوا.. وحتى دقيقة كتابة هذه السطور كان خبر يترأس اهتمامات وسائل الإعلام: الحكومة السورية "تستعد" لإعلان موقفها من بروتوكول نشر المراقبين العرب .. اللهم طولك يا روح! فيما الصراخ المتهالك والقادم من أحياء درعا وحمص وادلب، يكاد يسمع صوته في كل العالم ما عدا دمشق!
أعلم كم من الأخوة العرب الذين لا تعجبهم آليات عمل الجامعة العربية، مع القضية السورية، ومبررهم في ذلك أن القياس نفسه لم ولا يتم التعامل واياه في قضايا مماثلة كما اليمن مثلا، أو قضايا أكثر خطورة، كضرب غزة ومحاولات تهويد مدينة القدس الشريف.
كلها أسباب منطقية وتدعو للسخرية أعرف. لكن ما يخصني في تلك اللحظة بالذات، تلك اللحظة التي ينتف فيها "شارب"، أو يدفن رأس في الطين، أو يدفع شاب إلى ما تحت الحذاء ليلعقه بلسانه، ولن أقول يقتل أو يختطف أو تغتصب .. في هذه اللحظة يجب أن يتوقف هذا الإجرام والتطهير العرقي حالا، ثم لدينا لكل حادث حديث!
فلندع الجامعة تتصرف كما يجب عليها أن تتصرف في مواقف مماثلة، رغم أنها حتى الآن لم يرتق رد فعلها عن أكثر من إقرار بعض عقوبات اقتصادية، نعرف جميعا أن دولا ستدفع فاتورتها إلا سورية تحديدا!
ولنراقب معا إلى أين ستفضي لعبة المهل تلك .. هل برأيكم سيأتي علينا يوم نرى فيه لجان المراقبة العربية، تتجول في شوارع المحافظات السورية، وبرفقتها وسائل إعلام عربية وأجنبية لا سمح الله؟
عذرا يا شهداء اليوم والغد وبعد غد وبعد بعد غد .. فنظامكم يطالب بمهلة أخرى، ويقول إنها الأخيرة!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد حنان كامل الشيخ