منظرها وهي جالسة على أحد المقاعد في صالة الانتظار الخاصة، بقسم التنفيذ القضائي في المحكمة الشرعية، يذكر بمشهد أمينة رزق الاستثنائي في فيلم "أريد حلا"، والذي لعبت بطولته القديرة فاتن حمامة والرائع رشدي أباظة، وكان سببا رئيسيا في تعديل القوانين الشرعية الخاصة بحقوق المرأة، والتشريعات التابعة لقانون الأحوال الشخصية في مصر آنذاك. كانت تشبهها كثيرا باعتزازها وأنفتها البادية على البقية المتبقية، من ذكرى أناقة ظهرت بين ثنايا طقمها الكتاني القديم، وحقيبة يدها الجلدية. فقط هو الحذاء المهترئ الذي يمكن أن يشي بعبور زمن ليس ظريفا أبدا، على تلك السيدة الوقور. 

ولمن لم يحالفه الحظ بمشاهدة رائعة حسن شاه وسعيد مرزوق "أريد حلا"، لن يعرف عن ماذا أتحدث! 

هذه المرة "أمينة"، وهو اسمها المستعار، كانت تجلس بكل هدوء وعزة نفس وكبرياء، تتجنب الخوض في حوارات النساء اللواتي وجدن في ساحة الانتظار "هايدبارك" مناسبا للفضفضة عن النفس، والدعاء على من ظلم! 

إلا هي، لم ترغب في الخوض في تلك الحوارات، رغم المحاولات الحثيثة من فضوليات، استغربن وجود هذه السيدة الجميلة الأنيقة، في هذا المكان، الذي أصبح موحشا ومسيئا حقيقة للمرأة، التي تنتظر أن ينادى على اسمها أمام الملأ، وتقبض دنانير معدودات، تحت مسمى النفقة.

"أمينة" هذه، سيدة ذات قضية غريبة. فالخصم الذي واجهته طويلا وعصيبا ومذلا وقاهرا، لم يكن زوجا تركها بعد انقضاء الربيع، ليهرب مع شابة في عمر أصغر أبنائه، ولا ابنا عاقا رمى بها على قارعة الطريق، امتثالا لأوامر زوجته الجميلة. وتلك قصص سمعتها "أمينة" من النساء المكلومات، أثناء انتظارها المقيت.

لم تكن أما ولا زوجة من الأصل، لسبب بسيط ويمر يوميا على بناتنا، كمرور قطار العمر والزواج والأمومة. لقد ضحت بحياتها وشبابها من أجل أخويها الصغيرين، اللذين تركهما والداهم أمانة ثقيلة في عنق صغيرة رقيقة هشة، يوما ما. 

أظنكم عرفتم الآن من هو خصم "أمينة"! 

تصوروا معي كيف استحال عمر هذه السيدة، إلى رماد يذر في عينيها فقط، فلا تريد أن ترى بعد الآن، كيف تمت عملية تحول الأخ.. الأخ، إلى خصم لم يراع الله في قطعة من أمه، بعد أن عاث دلالا ولهوا وتعبا، في حياة من كانت تعتبره قطعة من قلبها.

تصوروا أنها اضطرت وبعد انكسار النفس، وتعب البدن، وانتقام السنين من بطولتها في المقاومة، أن تذهب بنفسها لترفع قضية نفقة على أخويها، اللذين نالا حياة على حساب حياتها، وشهادات على وقع إصرارها، وبيوتا على حس خيرها. لقد وجدت نفسها بين ليلة وضحاها، تنتظر جارا أو محسنا، يدخل عليها بربطة خبز أو علبة دواء. فيما أخواها يصمان آذانهم عن صوت الأقارب والأصدقاء، بأن لا تعيدوا قصصا كنا نعتقدها من الخيال.

لن أطيل عليكم في الشرح، فلكم أن تتخيلوا المشهد بالطريقة التي ترتئيها ضمائركم واحساسكم بالآخرين. ولكنني أحب أن أنهي القصة، بطريقة دراماتيكية، فرضتها نهاية انتظارها الطويل في تلك الردهة ذاك اليوم.

سمعت "أمينة" اسمها بصوت المنادي، فذهبت تمشي الهوينا إلى الشباك، لتستلم الشيك الذي تركه أخواها لها، بعد أن ربحت قضية النفقة. وحين التفتت إلى الوراء، وبيدها الشيك، ابتسمت للنساء المترقبات الفضوليات، وقالت بصوت عال يسمعه الجميع: ثلاثون، يعني خمسة عشرة دينارا نصيبي من كل أخ .... آآآآآآآآخ!


المراجع

www.alghad.com

التصانيف

صحافة   جريدة الغد  حنان كامل الشيخ   الآداب