"التي حطت على كتفي.. كحمامة نزلت لكي تشرب"، كانت تدندن مع الساهر أغنيتها التي أصبحت المفضلة لديها هذا الموسم، تبعا، كما هي العادة، لأهوائها وقصصها الصغيرة، ومكونات تفاصيلها التي تستدعي دائما أغنية ما، أو مطربا بعينه!
 
وفي طريقها الى جبل عمان، صادفت مجموعة من النساء والأطفال على الدوار الرابع، يحملون صورا لأشخاص، وينادون بصوت متعب، بحيث لم تسمع بالضبط، شيئا مما يقولون. الحرارة ما تزال مرتفعة رغم قرب مغيب الشمس، لكن يبدو أن الأجسام المتحركة والساكنة على حد سواء، امتصت كمية معقولة من السخونة، تمنع الهواء والماء معا من الصعود إلى قمم الرؤوس!
 
اتصلت بصاحبتها الناشطة السياسية النشيطة جدا، وأخبرتها أنها افتقدتها هذا العصر على الدوار، بعد أن أصبح لقاؤهما عادة شبه يومية، في طريق سيرها إلى جبل عمان، لدرجة أنها اعتادت مؤخرا أن تحمل لها العصير والماء، وشرائح الهاتف المدفوعة مسبقا. ضحكت صديقتها وطلبت منها إخفاض صوت المسجل، وسألتها ماذا تستمعين اليوم؟.
 
وحين علمت أنها "يدك"، واصلت الضحك مجددا، ولكن بصوت أعلى، وبشرتها أنه اليوم قد قامت يد وحطت على كتف نائب في مجلس الأمة، تحت قبة البرلمان، وأنها لم تكن كحمامة أبدا، بادلتها الضحك وأكملت: "إذا فلندع هذا الوطن يشرب"!
 
سألتها بطبيعة الحال عن النسوة والأطفال، فأخبرتها أنهم مجموعة من أهالي الأسرى الأردنيين في المعتقلات الاسرائيلية، يطالبون هذه المرة ببعض الضوء على قضية أبنائهم، من قبل إعلام رسمي غير مسؤول "برضاه"، وكأن أمر هؤلاء العشرات المعتقلين والمفقودين، ليس من شأن الدولة في الوقت الراهن، وهي في طريقها متسارعة الخطى إلى الإصلاح والنجاح والفلاح. وقضية الأسرى تلك يمكن تأجيلها، لما بعد "بحث شراء البنوك لديون المقاولين على الحكومة"!
 
نصف السيارات التي كانت تحيط بها، ذلك العصر، فتحت شبابيكها على آخرها، لتفرج عن كاهل مخزونها النفطي الضئيل، بعد أن أنهكته المكيفات التي لابد منها، في ظل.. هل قلت ظل؟ أقصد تحت وطأة حر لا نعرف كيف نتعامل معه لا في الشوارع، ولا في البيوت.
 
حتى الحلول التي رسمها حجاج بخصوص حرارة الجو، لم تفلح. الشيء الوحيد الذي كان يمكن أن يخفض هذا الصوت، هو المكيف لا محالة، وطبعا هذا الحلم العنيد لم يكن ليقترب شبرا واحدا عن ثلثي سكان البلد، بعد أن "شلشلته" الحكومة بديون طعامه ومائه ودوائه، وحملته "ألف جميلة" على سلسلة إجراءاتها الرقيقة التي ستعلمه بالضرورة كيفية الترشيد في الاستهلاك، كما جاء على لسان وزير المالية!
 
شتمت صديقتها في سرها، لأنها أخرجتها من مزاجها الذي قررت أن يكون رطبا هذا المساء، وحاولت أن تخرج من تلك الدوامة التي تدرك تماما أنها لا نهاية لها. توقفت على اليمين قليلا، أعادت أغنية كاظم الساهر مجددا، أغلقت هاتفيها الخلويين، وبدأت تدندن، وهي تشاهد من بعيد "طفلة علب الكولا"، تناول والدها الشيخ حصيلتها الصغيرة، من باب الحاوية .. "يدك الصغيرة طفلة هربت.. ماذا أقول لطفلة تلعب"!!

المراجع

alghad.com

التصانيف

صحافة   جريدة الغد  حنان كامل الشيخ