حرام! حرام أن يتحول العدم إلى روتين يومي، ويكون من الطبيعي جدا ألا تجد قوت يومك، وإن وجدته فهو فتات يسد الريق مؤقتا، ويؤجل وجع البطون الخاوية، أن تضطر لجمع أولادك في غرفة واحدة صغيرة، تدور بها مروحة صينية الصنع، لا تروح ولا تهدئ سخونة الجباه، ولكنها توحي بذلك. أن يصبح "الريفانين" دواء للأمراض المفاجئة كافة، حتى السعال والضغط والحروق، أن تبدأ بالاستمتاع بصور الموت القادم من الشرق والغرب المجاور، وتقنع نفسك أن الحمد لله نحن بألف نعمة.. كل هذا وأفقر، طامة صنعها الفساد والمفسدون على هذه الأرض! ماذا بقي للإنسان في هذا الوطن؟ أقصد ماذا بقي له، بعد نعمة الأمن والأمان، والتي تحجم تفسيرها ليخص الاستقرار السياسي والأمني فقط؟! وكأن الأمن الغذائي والتعليمي والصحي والوظيفي، فسحة إعلانية يمكن تخفيض صوتها، والالتهاء بأي حديث عابر، لحين العودة الى الفيلم الأصلي!
 
أن يصبح الاختراع والثقافة والسياحة والفن والرياضة ترفا، في مؤسسة الفاقة، والتي تعتبر هذه الأشياء سكرا يرش فوق الموت البطيء. أن يكون الهم الأكبر رغيف خبز، أو شريط دواء، يغني العقل عن البحث العلمي والتفكير البناء، ويؤدب اللسان المجاهر بالمطالبة بأبسط الحقوق، ثم يستسهلون ديباجة "جزء من المسؤولية يتحملها المواطن"، هذا هو الضرب في الميت!
 
وثانية، ماذا بقي للإنسان في هذا الوطن، وكل همه ينحصر اليوم في أن يأكل وينام ويصحو ويأكل وينام ويصحو، إلى أن يأتي اليوم الذي ينام فيه ولا يطلع عليه نهار آخر ليأكل، حتى الحفرة التي سيدفن فيها، سببت له صداعا يضاف إلى أعباء عقله، المشغول بهم الحياة، فينشغل قليلا بعبء الموت.
 
وتقولون: إنجاز وتميز ونجاح وتألق، وكل تلك الأسماء التي فقدت حروفها الأولى، على عتبة القلة، بالله عليكم، أيها الواثقون من حجم التفاؤل والأمل، وتتبجحون بقدرة هذا الشعب على التكيف، وتشددون على أننا بألف خير. حاولوا أن تخفضوا رؤوسكم قليلا، لتشاهدوا "الإنسان" على إشارات المرور التي تصطفون عليها بسياراتكم المبردة ليلا ونهارا.
 
أكملوا سهرة تذوق النبيذ التشيلي، مع ليل الحاويات التي تستقبل زوارا جددا، تعف أنفسهم عن الطلب. جربوا أن تحيركم فاتورة كهرباء، وتجلسكم صامتين لساعات. أو أن "تفتفتوا" دجاجة يوم الجمعة، لتطعم عشرة أنفار، خيروا أولادكم بين ثمن المواصلات للجامعة، وشطيرة الفلافل. احتاروا ببطالة شبابكم، الهاربين إلى الاكتئاب واثنين على الأقل من أمراض العصر، ناموا من التعب بجانب خزانات المياه، بانتظار الصوت الرفيع للحياة.
 
احزنوا بصمت على بناتكم وأولادكم، من عنوسة قهرية، تتجلى حمى وصراخا وصلعا مبكرا. شاهدوا الحقيقة على حقيقتها، واحترموها. لقد قتلتم الإنسان في أعز ما يملك.. إنسانيته، ثم تعاودون تحميل المواطن جزءا من المسؤولية.
 
لا نريد منكم أن تعتذروا أو تفسروا أو تلقوا باللوم على شماعة الغائب. لكن على الأقل، لا تكذبوا!

المراجع

alghad.com

التصانيف

صحافة   جريدة الغد  حنان كامل الشيخ