(1) يكره الليل ويخاف من حلول خيوط الظلام على مصراعي نافذته. تلك التي لم تتحرر ساعة واحدة من أنفاسه على زجاجها، منذ سنة على الأقل. يصارع نعاسه وقلقه ذهابا وإيابا حول كل منافذ المنزل. يسمع وحده أصواتا لا وجود لها في مخيلته. ويستفز لحركة القطط حين تهب فجأة من فوهة الحاوية. يفسر ذعرها بذعره، ويمهد لنفسه مساء طويلا في البحث والتقصي، عن جسم غريب، ربما زرعوه له هذه الليلة بالذات، تحت عجل سيارته، أو على باب منزله.
 
إنه الخائف الوحيد والمرتاع العنيد، لفكرة الانتقام التي تراوده منذ أن ترك وظيفته. يقارع مذكرات خطتها كفاه على حياة كثيرين مروا من أمام عينيه، كأنهم خيالات تتحرك بدون روح. ويبدأ كل طلعة نهار في لعبة الكشف والمكاشفة، وقراءة البيانات من جديد مع نفسه، بعد أن استدرك متأخرا أنه لم يقرأها جيدا وهو هناك، أو أنه لم يقرأها أساسا!
 
في الشارع يلاحقه صوت بائعة الجرجير والسبانخ المقطع، يهرب منها مخبئا وجهه بين يديه، ففي صوتها حشرة تشبه دعاء لرب السماء، صدحت به أمهات كن ينتظرن عند الباب. أما عامل محطة الوقود، فعلى ذراعه وشم، يعيده إلى صور الأذرع المعلقة والرؤوس المنكسة من التعب.
 
تأوهات عالية وأزيز أقفال حديدية، وخطوات على الممر الطويل، وماء يسيل من مكان ما، وأنين ... هلوسات لا تنفك تلاحقه، هو الهارب جزعا من ماض، ظن أنه فوق كل الحقائق، إلى الحقيقة الوحيدة. ففي الخارج ليس ثمة أبواب محكمة!
 
(2 ) رغم حضوره الذكي، وصوته الجهوري الواثق من نفسه جدا، وكلامه المرتب والمنمق أمام طلابه في الكلية، إلا أن عينيه لا تكادان تفارقان باب قاعة المحاضرة، خوفا من لحظة المواجهة. عام كامل قضاه يبحث عن وسيلة توقع بمن كان وراء حصوله على درجة الدكتوراه. عام كامل طويل ومؤرق، عاشه وهو يخطط ويدبر المكائد لزميله الطيب، والذي لم تسعفه حظوظه متوالية الانحدار إلى اللحاق به، فأجلت حلمه الكبير، في الحصول على الدرجة العلمية الرفيعة التي كان يتمنى، ويستحق.
 
أما هو، فلم يدخر وسيلة إلا وابتدعها ليزيح صاحبه، والذي صار عدوه طبعا، من أمام ناظريه. ليس لأنه يبتزه مثلا، أو يطالبه برد المعروف. إنما لأنها سنة المتسولين، الذين لا يمقتون في هذه الدنيا، أكثر من وجه من مد لهم يد العون!
 
ورغم معرفته بمعدن صديقه الأصيل، وأنه يستحيل أن يفضح أمره، لكن خوفا قاتلا من لحظة المواجهة، يكاد يفتك به، في كل لحظة، في المحاضرات، في المؤتمرات، في السفر والدعوات الاجتماعية. كلما ذكر اسم صاحبه، يخيل إليه أنه جسم غريب، يتمنى من قلبه أن تنشق الأرض وتبتلعه. وأصبح مؤخرا يتفنن في خلق الأزمات بينهما، لتنفض العلاقة التي ستذكره دائما بضعفه. يريد أن ينسى أنه السبب فيما آل إليه من منصب ومكانة علمية، يتمنى أن يخطئ بلفتة أو بكلمة تبرد ناره، يستكثر عليه صمته المؤدب وأخلاقه الرفيعة، ويحاربه في سمعته وتاريخه، وحتى في لقمة عيشه، عله ينتهي بالضعف والنسيان.
 
مسكين، لا يعرف أنه المنته تلقائيا بحكم الباطل، الذي بني على باطل!
(3) لا تغلُ في التحليق عاليا، حين تكون ظالما أو سارقا. فقط "فيلكس"، يسقط واقفا!

المراجع

alghad.com

التصانيف

صحافة   جريدة الغد  حنان كامل الشيخ