اليوم كتبت المقال القارئة النهمة والمتابعة العنيدة سحر مشاقبة. أحببت فكرتها جدا، وتأثرت لمفردات حزينة ضمنتها مقالها، المليء بالصور والتعبيرات الجميلة. أتمنى أن تحبوا مقالها، وتشدوا على يد كاتبة تتحسس طريقها، تحت قناديل رعايتكم...

"منذ اللحظة الأولى، كتب على حياتي ألا تكون مثل حياة بقية الأطفال. حتى ولادتي لم تكن مثل ولاداتهم، كانت عملية صعبة ومهينة وسرية، يختلط بها صراخ امرأة مكتوم، ببكاء رضيعة ضعيفة غير مرغوب فيها.

 

اليوم تعلمنا في الدار أن قدوم أي طفل جديد في الأسرة، يكون حدثاً مختلفاً وجميلاً لأهله، يفرحون به ويحتفلون ويوزعون الأضاحي والحلويات، ويحمدون الله مراراً على قدومه بصحة وعافية وبأنه رزقهم إياه.. لكن لماذا أنا؟ بل لماذا إلا أنا؟ لم أكن أعلم بأنني سأولد بدون أن أعرف أبي وأمي. لم أكن أدرك للحظة بأن والديّ كانا مستهترين لتلك الدرجة.

 

عاشا أحلى لحظات حياتهما في الحرام واللهو، واختلفا على وجودي الذي فرق بينهما، بدون الاعتبار للدين والقانون، ولا حتى للمشاعر الفطرية. فإذا حياتهما لا تعنيهما.. فما ذنبي أنا؟ ما ذنبي أن أولد بدون اسم كباقي الأطفال. أن لا أشعر بحنان الأم وعطفها. أن لا أمسك بيديها وأُلاعب شعرها، كما أرى في المسلسلات والإعلانات التجارية.

 

ما ذنبي أن أُرمى في مكان مظلم وبارد، كقطعة لحم تالفة؟ ألم يمنعك بكائي الضعيف؟ ألم يغفُ شيطان روحك للحظات؟... ماذا أقول لهم حينما أكبر... ما اسمي؟ اسم عائلتي؟ من أي منطقة؟ أين ولدت؟ هل أنا ابنة حاوية القمامة فعلا؟؟؟

هل يا ترى سأحتفل يوماً بعيد ميلادي؟ هل سأشعل شمعة بعد اليوم في حياتي المظلمة تلك، وهل تفيد كل شموع العالم في إضاءة ما صنعته أيديكما أنت وهو.

هل سأكبر قوية وواثقة من نفسي مثل أقراني؟ الى متى سيطول انتظاري لحلم أم تلوح لي وأنا أركب باص مدرستي، وأراها تركض بسرعة لاستقبالي وتحضنني بدفء كبير؟ الى متى سأظل أتخيل نفسي وأنا أشتم رائحة طعامها عن بعد مسافات كبيرة؟ هل سأغفو على ركبتيك يوم أمرض؟

وهل... ستكون الجنة تحت قدميك أنت؟ أنت التي اغتلت براءتي وطفولتي وأنا لم أولد بعد؟ أنت التي دمرت حياة طفلة بساعة لعب ولهو وطيش؟ أنت التي حلف كل العالم وأجمع على صدقها وحبها وعطفها وأخلاقها، بعد أن مثلت دورك جيدا! هنت عليك تماماً كما هان عليك والداك، عندما اقترفتِ فعلتك المشينة والتي سيبقى خيالها يلاحقني حتى الموت الذي أشعر به رفيقي وباب حريتي من سلسلة ظلمك.

هل يا ترى سأتزوج حينما أكبر أم سأفعل ما فعلته تماما؟ لأنتقم منك ربما أو لأن البنت مكتوب عليها أن تحمل جينات وصفات أهلها، في مجتمع لا يرحم أمثالي، ويعتبرهم لقمة سائغة للتجربة بكل شيء!

وللممازحة، تعرفين بماذا يلقبني أقراني في الدار؟ تعرفين كم لقبا يتفننون في اختراعه لأجلي؟ تعرفين ما اسمي المسجل في الدفاتر على الأقل؟ اسمي تيماء يا أمي..

أنا تيماء. وأقول لكم جميعا: ليس لي ذنب بكل ما جرى وما سيجري لاحقاً... ليس لي ذنب فيما اقترفت أياديهم السوداء، لست من قرر أن أترك هناك على باب الحاوية مثل لعبة قديمة. وإليهما أقول: في ذاك اليوم الذي سيجمعني بكما، في يوم اللقاء الأخير. لن أسامحكما ولن أتسامح معكما ولن أنسى ما اقترفتماه بمصيري، وما اجترعته من ظلم لم يفارقني لحظة في حياتي".

 

 


المراجع

alghad.com

التصانيف

صحافة   جريدة الغد  حنان كامل الشيخ   الآداب