مثل برتقالة في نهاية موسمها، يزداد الشعور بخشونة الغلاف الذي يحيط بها، وبصلابته وعمق عزلتها في نقطة بعيدة، لا يسمع صوتها أحد. هذا هو شعور كل فلسطيني عادي طبيعي، كلما فاجأه "ممثلون عنه"، بقرار أو تصريح أو إجراء أو حتى بالون اختبار!
يدرك أغلبيتنا أن حق العودة صار حلما ونشيدا، تنبض فيه بقايا العروق العتيقة التي تيبست بالنسيان، والحناجر التي تحشرجت بالهتاف والدخان، وبيانات ذكرى الانطلاقة والاستشهاد والأسر. لكن كان هناك طعم للقلق الذي يهز قواعد المستوطنات، المبنية على الخوف والتوجس. كان هناك طعم للقلق الذي يخرج من تحت كراسي غرفة الاجتماعات الكبيرة، ويتصدر طاولة طويلة ممتلئة بصحون الفاكهة المشرقة، وفناجين القهوة الجميلة، وخطط الاستيطان والامتداد الخبيث. كان هناك طعم للقلق في عيون المتطرفين التي لم تصدق يوما أننا قبلنا بالأمر الواقع. كان هناك قلق وريبة وتوجس تحت وعلى جانبي جدار الفصل العنصري، أن ثقبا قريبا، تحفره أصابع طفلة، سيهيل السور على رؤوسهم. هكذا بكل بساطة، تزيلون أسباب القلق.
نحن جيل رباه جيل عاش القصة الكاملة، منذ "كان يا ما كان"، عاش على الخريطة المعلقة في صالون الضيوف، ومفتاح الحديد والعرس الفلسطيني، والأعلام السوداء على ظهر البيوت في ذكرى صبرا وشاتيلا، وفرق الدبكة في المدارس والجامعات، وأشعار الحب البدائية التي لا بد أن تشبه الحبيبة بفلسطين، ونشيد "سأحيا فدائي وأمضي فدائي وأقضي فدائي إلى أن تعود". هكذا بكل استهتار، تعروننا من النشيد ومن الأشعار البدائية!
نعرف أن تصريحا مستفزا، في زمن لا يخجل من مواجهة الخارجين على الزمن، لن يكون له وقع عقائدي في نفوس متينة البناء. لكنه ورغم قسوته وبلادة مخارج حروفه، كان طيبا في نتائجه وردات فعله العميقة والواسعة والمتواصلة. كنا بحاجة لمن يفاجئنا بتلك الصفعة المباغتة، حتى تستيقظ حواسنا وضمائرنا وقراراتنا، ونعلن موقفا فلسطينيا عربيا واحدا، أن رجوعا عن الثوابت الوطنية، لا محلّ له من الإعراب!
ردات الفعل المتلاحقة والمتصاعدة حول الموضوع، كانت تشبه مظاهرة مليونية في ميدان التحرير، تهتف بالصوت نفسه، وتتحرك كأنها الموج الهادر، على كافة مواقع التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية. ولمن يعتقد أنه لا فائدة ترجى من تغريدات وتعليقات في الفضاء الإلكتروني، أقول له إن أجهزة متخصصة ومتوجسة وجاهزة لالتقاط أي إشارة، تقرأ وتحلل وتستنتج وترسل بتقاريرها، إلى قيادات ومراكز متصالحة مع الواقع العلمي والتكنولوجي، تتعامل معه بكل احترام وجدية. ومثل هذه الردود، لا تمر مرور الكرام!
فمن باب إرجاع الفضل إلى أصحابه، مع تحفظي على مفردة فضل، أشكر من استفز مشاعرنا ومبادئنا وثوابتنا العربية والقومية، وأسهم في توحيد الصف الفلسطيني والعربي، حتى ولو في عوالم فضائية. رجع الصدى الكبير، يشي بالكثير من المؤشرات، أهمها على الإطلاق حسب رأيي المتواضع، أن الأجيال الشابة والصغيرة، وإن لم تشهد الأحداث بأم عينها، ويبدو أنها مغيبة عن القضايا الرئيسية، لكنها على قدر من الوعي واليقظة، بالحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني. وفي وجدانياتها قصيدة لم تغادر بيت القصيد بعد!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد حنان كامل الشيخ