لا نهضة سياسية اقتصادية من دون نهضة فكرية تنويرية تُنَقّي المنظومة القيمية مما شابها من تخلف وضلالة وضياع.
المنظومة القيمية العربية في أزمة. المواجهة هي بين موروث حضاري مستنير وطارئ متخلف ظلامي.
السنوات الاخيرة شهدت اندحاراً للموروث المستنير امام الغزو الضلالي الذي تسلل الى المجتمع عبر استغلال مآسيه ومعاناته وقمعه.
خرجت المشكلة الى السطح الآن. وما عاد بالامكان إنكارها. اصبح قتل الابرياء جهاداً. وبات الارهاب مباحاً. وصار الارهابيون شهداء.
الكلفة السياسية والاجتماعية والفكرية لهذا الانحدار اكبر من ان تتحملها المجتمعات العربية. ايقاف زحف الضلالة داخل الثقافة المجتمعية اصبح أولوية لا جدل حولها.
ولان الخطر بدأ ثقافيا قيميا قبل ان يتحول أمنيا, يجب ان تعتمد مواجهته ادوات ثقافية قيمية توظف الموروث الحضاري والعدالة القانونية والسياسية لإطلاق فكر مستنير يدحض الضلالة في الوقت ذاته الذي يجهض فيه الخطر الامني بحزم وثبات.
مَهزلةٌ ان تستعمل حرية الرأي والتعبير ذريعة للترويج لقيم غير إنسانية تذكي الفتنة وتحرض على القتل. فحرية الرأي لا تشمل الترويج لضلاليةٍ ُتناقض الموروث الحضاري الانساني الذي أسهمت الحضارة العربية الاسلامية في تطويره.
والرفض لسياسات اميركا الظالمة وللجرائم الاسرائيلية المتكررة ليس مطية توظف لتبرير خطايا تمارس خارج اطار الصراع مع اسرائيل ولا تسهم الا في اضعاف القدرة العربية على كسبه.
لا بد من تحصين المجتمع ضد الكارثة التي ينذر بها الاختلال الذي حل بالمنظومة القيمية. ولا يجوز التلكؤ في مواجهة الخطر الذي يختبئ تحت ظلال الرفض للسياسات الاميركية والصراع مع اسرائيل.
موقف نواب حزب جبهة العمل الاسلامي من ارهاب الزرقاوي كان مؤشرا على أزمة ثقافة تعيشها فئات من المجتمع. لكنها كانت أيضا دليلاً على فقدان قوى سياسية لبوصلتها واستعدادها لقبول شر دائم إما من اجل حصد شعبية آنية او نتيجة لعمى بصيرة وضيق أفق حدوده العدمية.
الاصلاح السياسي وتوفير مساحة تتجلى فيها الحريةُ استنارةً واحياءً لموروث ثقافي حضاري وتجديداً له لبنة اساسية في تشييد بنيان قيمي يدحض التخلف. لكن رفض الانحدار الى متاهات ترويج الباطل حدٌّ لا يجوز أن يسمح لاحد بتجاوزه.
فالديمقراطية السياسية انتجت النازية في ظل غياب ديمقراطية ثقافية واستنارة قيمية. وتلك حقيقة تاريخية يجب ان يفيد منها الاردن وبقية الدول العربية والاسلامية وهي تتفكر في مستقبلها.
فالمستقبل لن يكون مبشراً إذا لم يُرَسّخ ركيزتين أساسيتين, أولاهما ديمقراطية حقيقية متوتدة في القانون والممارسات, وثانيتهما ثبات لا يتزحزح في وجه كل من يروج للتخلف ويبرر الارهاب ويسقط قدسية الحياة ضلالةً أو سياسة

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  ايمن الصفدي   جريدة الغد