الرجل الذي كان يمشي بخيلاء وعزة، يدير الأرض بسبابته ويوقف الزفير بنحنحة منه، يغالي في دبيب قدميه على سلم البيت، ليضمن ارتجافة تصل الى الأحشاء، ومغصا شديدا في أمعاء أهل بيته.
الرجل الذي كان لا يبتسم إلا لأفلام عادل إمام، مراعيا ألا يلمح طرف ابتسامته أحد، مستفزا فوق كبسة زر التحكم، كي يزيح مشاهد الحب والقبلات الساخنة، من أمام عيون أطفاله، التي كانت تنزاح تلقائيا قبيل المشهد بلحظات، بعد أن اعتادوا تراتبية الأحداث في الأفلام العربية.
الرجل الذي لم ينظر مرة واحدة الى عيني زوجته وهو يحدثها، ويتعمد أن يراقب أي شيء حتى لا تلتقي النظرات، فتعتاد عليه وتبدأ رحلة دلال، لم تأخذ نصيبها في الحياة، منذ اليوم الأول للزواج، ولا يعرف كم يثير شغبا وراءه كلما أشاح بوجهه؛ لأنها ببساطة لم تسمع جيدا ماذا كان يقول بين تلك الهمهمات!
هذا الرجل بعينه، هو الذي يجلس الآن أمام تلك المرأة التي تدخن بعصبية، في مقهى ناء وشبه مظلم، يبكي بين ذراعيها متوسلا أن تترك خلفها كل رجالها، وتتفرغ له وحده، هكذا بكل بساطة!
تعرف عليها في أقل من لحظة، حين لامست يدها كتفه بالخطأ، وهي تنوي إزاحة شعرها عن وجهها، في مصعد بناية النقابة. شعرت بخبرتها العريضة، أن زلزالا أصاب جسده، وشاهدت بأم عينها عرقا باردا يتصبب من طرف وجهه، وفرحت لأنه كان أنيقا وثريا كما يبدو على بذلته الفاخرة. حينها تعمدت أن تلامس كفها كفه، في لحظة خروج مرتبكة، على باب المصعد.
كانت هي المرأة بالنسبة له.. امرأة حقيقية بكل ما تحمل الكلمة من معنى. وكان هو الغريب عن مشاعر الحزن المفاجئ التي انتابت روحه مذ تعرف اليها، يستلذ عذاباته ويعيد تكرارها في غفواته الصغيرة، ويرتاح جدا لإحساس القمع العاطفي والجسدي، الذي مارسته عليه هي بكل اقتدار وخبرة.
كانت هي الدنيا التي لم يتعرف اليها قبلا، بسبب ظروف تربيته القاسية، وحرمانه مترامي الأطراف، الذي طال حقه في اختيار أي شيء، بدءا من قميص العيد، ونهاية بزوجته التي تكبره بعدة سنوات، ولكنها المكتوبة له، منذ توفي والداها وكفلها خالها، لتكون أختا لأولاده!!
هل أسوق له مبررات؟ لأعرف حقيقة! ولكنني أستعرض معكم قصة كهل اكتشف أن الرجولة لها صور وأشكال وألوان وأصوات بعيدة كل البعد، عن لوني الأبيض والأسود، والحشرجة الخشنة المفتعلة غالبا. وطبعا في يوم قريب جدا سيترك تلك المرأة اللعوب، بعد أن يمل حزنه معها، ويبحث له عن حزن آخر، يجدد طاقات تأخر ظهورها على السطح أكثر من خمسين عاما.
هذا الرجل الذي يصر على أن يستكمل تاريخ البرود العاطفي في أسرته، فقط لأنه لا يقدر على التراجع، مختبئا خلف عادات بالية، تستكثر على الولد حضنا دافئا، وعلى الزوجة قبلة حانية، ما يزال حتى لحظة كتابة هذه السطور، ينتشي بفزع الصغار من سعاله في الحمام، وتنتفض ساقه استهجانا تحت اللحاف حين تلامس قدم زوجته، ويزور بيت والديه بعد صلاة الجمعة، ليجلس معهما صامتا.
وحين يعود الى بيته، يستلذ جدا بحالة التوحد التي تجمعه برجل ثان، يخرج من بين ضلوعه، يبتسم له بخبث، ويذكره أنه هو، لو أنه فقط لم يقبل أن يرتدي قميص العيد!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة   جريدة الغد  حنان كامل الشيخ